تحقيق الغارديان يكشف انكماش رؤية كوشنر، وتأجيل المشروع التجريبي إلى نهاية عام 2026
نبأ الإخبارية: تواجه الوعود الطموحة التي أطلقها “مجلس السلام” التابع لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تراجعاً حاداً. وجاء ذلك بعدما كشف تحقيق موسع نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية عن انكماش الرؤية الشاملة المقترحة للمنطقة.
وانكمشت الخطط التي طرحها صهر الرئيس وجامع التبرعات الرئيسي، جاريد كوشنر، بشكل دراماتيكي ومفاجئ. وتحول المشروع من عملية تأهيل متكاملة للبنية التحتية خلال 100 يوم، إلى مشروع تجريبي مصغر ومحدود المساحة جنوبي القطاع.
ونقلت الصحيفة عن تقارير ومسؤولين دبلوماسيين مطلعين أن الخطط اصطدمت بشروط ميدانية معقدة للغاية. وحسب المصادر، فرضت الحكومة الإسرائيلية فيتو صارماً أدى إلى تأجيل انطلاق المشروع التجريبي حتى أواخر عام 2026.
وهذا الوضع دفع جهات فلسطينية ودولية للتحذير من خطورة الخطوة الحالية. وتخشى هذه الأطراف تحول المشروع إلى “واجهة استعراضية وهمية” تستهدف تمرير السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الأرض.

من ورشة إعمار شاملة إلى كابينات مؤقتة
وكانت الخطة الأصلية لكوشنر، والتي عُرضت في منتدى “دافوس” الاقتصادي مطلع عام 2026، تَعِدُ بورشة عمل ضخمة. وتضمنت الوعود السابقة تأهيل شبكات المياه ومحطات الكهرباء والمستشفيات والمدارس في غضون ثلاثة أشهر فقط.
إلا أن مسودة المشروع الحالية تظهر تحولاً جذرياً في التوجهات والأهداف. إذ أوضح تقرير “الغارديان” أن المشروع يقتصر الآن على إقامة “مخيم مؤقت” من البيوت الجاهزة والكابينات المتنقلة.
ويقع الموقع المقترح في المنطقة العازلة القريبة من مدينة رفح على الحدود الجنوبية للقطاع. ووفقاً للتقديرات، فإن هذا المخيم لن يستوعب سوى عشرات الآلاف من النازحين، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بمليوني نازح يفتقرون للمأوى.
اقرأ أيضاً:
- وداع غاضب.. جماهير المغير تشيع جثمان الشهيد الفتى فادي النعسان
- لأغراض عسكرية.. سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستولي على أراضٍ في دورا القرع

شروط التعنت الإسرائيلي وأزمة المواد “مزدوجة الاستخدام”
ويقف التعنت الإسرائيلي كأحد أبرز العقبات التي تحول دون تقدم المشروع الأمريكي. وتصر حكومة الاحتلال على فرض حظر تام على دخول أي مواد تتعلق بعملية إعادة إعمار قطاع غزة الحقيقية.
وتشترط إسرائيل إدخال المساعدات الإغاثية الإنسانية الأساسية فقط مثل الماء والغذاء والدواء. وحسب المراسلات التي اطلعت عليها الصحيفة، وجه المبعوث الأمريكي “آرييه لايتستون” رسائل للسلطات الإسرائيلية لتخفيف القيود.
وطالب لايتستون بالسماح بإدخال مواد حيوية مثل أنابيب المياه والألواح الشمسية لتوليد الطاقة. ورغم ذلك، تواصل تل أبيب تصنيف هذه المواد كعناصر “مزدوجة الاستخدام”، مما يحرم المخيم من أدنى مقومات الاستدامة.
عقبات القوة الأمنية والجمود الميداني والسياسي
وعلى الصعيد الأمني، تنص الترتيبات على إدارة المخيم عبر شرطة فلسطينية محلية. ويفترض دعم هذه القوة بعناصر دولية تبلغ حوالي 5,000 جندي من المغرب وكوسوفو، وهو ربع الحجم المقترح سابقاً.
ورغم رصد وصول أعداد محدودة من الضباط المغاربة والكوسوفيين إلى مناطق قريبة من معبر كرم أبو سالم، إلا أن المشروع يواجه جموداً قانونياً كبيراً. ولم تبدأ بعد برامج تدريب الشرطة المفترضة في مصر، كما لم يحدد الإطار القانوني الناظم لعمل القوات الدولية.
وتشير التقديرات الدبلوماسية الغربية إلى أن الترتيبات الحالية دخلت نفق الجمود السياسي المرتبط بالداخل الإسرائيلي. ويرى مسؤولون أن هذا المشروع التجريبي لن يرى النور قبل ديسمبر من عام 2026، انتظاراً لما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية والتغيرات في الائتلاف الحاكم.

تحذيرات دولية من “قرية بوتيمكين” جديدة
وتتزايد المخاوف الإقليمية والدولية من الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذا التقليص الكبير. وحذر محللون ودبلوماسيون من تحول المخيم المؤقت إلى ما يشبه “قرية بوتيمكين”، وهي واجهة عرض زائفة تُخفي واقعاً مأساوياً.
وتشير التحذيرات إلى إمكانية استغلال إسرائيل لهذا المخيم كـ”استعراض إنساني” أمام المجتمع الدولي. ويهدف هذا الاستعراض لتخفيف الضغوط الحقوقية والقانونية، في حين تستمر ميدانياً في فرض سيطرتها العسكرية على نحو 60% من أراضي غزة.
وفي هذا السياق، وصفت وزيرة الخارجية الفلسطينية “فارسن أغابكيان” ومسؤولون آخرون هذه الخطوات بأنها خطيرة. واعتبرت الوزيرة المشروع محاولة لفرض أمر واقع جزئي وتطبيع السيطرة العسكرية تحت غطاء المساعدات الإنسانية.
وفي ختام المشهد، يظهر التحقيق أن خطط إعادة إعمار قطاع غزة تحولت من رافعة للاستقرار إلى أداة لإدارة الأزمة. ونظراً لذلك، تظل آمال ملايين النازحين معلقة برهانات سياسية مؤجلة، وسط تحذيرات من شرعنة الحصار العسكري الدائم.
