مولدة بالذكاء الاصطناعي

نبأ الإخبارية : انطلقت باخرة روسية في صباح 18 أبريل/نيسان 1901 من أرصفة إسطنبول باتجاه الأراضي الصينية. حيث مرت السفينة بمدينة إزمير الساحلية، وتوقفت بعد ذلك في ميناء الإسكندرية بمصر. كما عبرت البعثة قناة السويس ونفذت رحلتها عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي. ولهذا حملت السفينة وفداً عثمانياً تكون من 9 أشخاص بقيادة حسن أنور جلال الدين باشا. إضافة إلى ذلك، عرفت هذه المهمة التاريخية باسم “وفد النصيحة” وسط اهتمام دولي واسع.

اقرأ أيضاً:

“بالنسبة لألمانيا، كانت ثورة الملاكمين تهديدا مباشرا لمستعمرتها الناشئة في شاندونغ، وللطرق والمنشآت التي تربطها بالمدن الصينية.”

المارشال فون فالديرزي قائد قوات الحلفاء محاطا بجنرالات الدول الحليفة يدخلون مدينة بكين عام 1900 عقب إخماد ثورة الملاكمين (غيتي)

خرجت الصين في تلك الفترة من اضطراب كبير عُرِف باسم ثورة الملاكمين (1899-1901). بناء على ذلك، انفجرت موجة غضب عارمة ضد الوجود الأجنبي والمبشرين المسيحيين. لكن المواجهات امتدت سريعاً لتشمل خطوط السكك الحديدية والمراكز التبشيرية. ونتيجة لذلك، حوصرت السفارات الأجنبية في بكين مما دفع 8 قوى أجنبية لتدخل عسكري سريع.

من جانبها، احتلت القوات الألمانية خليج جياوتشو في مقاطعة شاندونغ منذ نوفمبر/تشرين الثاني 1897. علاوة على ذلك، أجبرت ألمانيا حكومة تشينغ على توقيع عقد إيجار لمدة 99 عاماً. ولهذا السبب، اتخذت برلين من ميناء تشينغداو قاعدة لأسطولها العسكري في شرق آسيا. كذلك طوّرت ألمانيا شبكات الكابلات ومناجم الفحم لفتح الأسواق الصينية أمام البضائع الألمانية.

القوزاق الروس في منشوريا يرافقون سجناء صينيين عام 1901 (غيتي)

تضاعف التوتر السياسي حين قُتل المبعوث الألماني كليمنس فون كيتلر في بكين يوم 20 يونيو/حزيران 1900. بالتوازي مع ذلك، أرسل القيصر فيلهلم الثاني قوات عسكرية واسعة بقيادة المارشال ألفرد فون فالدرزي. إضافة إلى ذلك، نفذت القوات الدولية حملات عقابية شملت العديد من المدن والقرى الصينية.

غير أن ظهور قوات قانسو في المعارك أثار قلقاً كبيراً لدى الدول الأوروبية. حيث شكلت هذه القوات جزءاً من الجيش النظامي التابع لسلالة تشينغ بقيادة الجنرال دونغ فوشيانغ. كما ضمت هذه الوحدات آلاف الجنود المسلمين من قومية الهوي (Hui). وعلى هذا النحو، أظهر المسلمون قدرة قتالية عالية أثناء حصار الحي الدبلوماسي في بكين.

“واجهت قوات التحالف وحدات صينية كان قسم مهم من جنودها من المسلمين.”

اغتيال كليمنس فون كيتلر خلال ثورة الملاكمين في الصين عام 1900 (غيتي)

تولد لدى القيصر فيلهلم الثاني اعتقاد بأن تهدئة الأوضاع تتطلب تدخل سلطة إسلامية عالية. بناء على ذلك، توجه القيصر بطلب مباشر إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني. لكن هذا الطلب جاء استناداً إلى علاقات التقارب والشراكة التي نشأت بين الطرفين خلال العقد السابق.

“طلب القيصر من السلطان عبد الحميد استخدام مكانته الدينية لدى مسلمي الصين لتهدئة الموقف والحد من انضمامهم إلى مقاومة القوات الأجنبية.”

استغل السلطان عبد الحميد الطلب الألماني لتعزيز الدبلوماسية العثمانية والمناورة بين القوى الكبرى. إضافة إلى ذلك، اختار السلطان طريق الرسالة الدينية الهادئة بدلاً من القوة العسكرية. ولهذا التكليف، أرسل القصر منشوراً رسمياً وقّعه شيخ الإسلام جمال الدين أفندي. كذلك دعت الرسالة المسلمين إلى الابتعاد عن التمرد والحفاظ على السلام.

السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (يسار) مع الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني (غيتي)

تابع السفراء الأوروبيون تحركات الوفد العثماني ببالغ الحذر والاهتمام. بناء على ذلك، تبادلت السفارات البرقيات الدبلوماسية لمراقبة خط سير حسن أنور جلال الدين باشا. ومع ذلك، تراجعت ألمانيا عن اهتمامها بالمهمة أثناء إبحار الوفد في المحيط الهندي.

“بينما كانت السفينة تعبر المحيط الهندي، بدأت برلين تفقد اهتمامها بالمهمة التي اقترحتها.”

رست الباخرة العثمانية في ميناء شنغهاي يوم 3 يونيو/حزيران 1901. حيث رافق نائب القنصل الفرنسي الوفد العثماني إلى الحي الذي يقطنه المسلمون. كما استقبل الوفد العثماني مئات المواطنين المسلمين وأبناء الجاليات الشرقية في المدينة. ونتيجة لهذا اللقاء، تابعت السلطات الفرنسية والبريطانية والروسية تحركات البعثة بدقة متناهية.

“كشفت الزيارة الفجوة بين المجال الواسع الذي يصل إليه اسم الخلافة والوسائل المحدودة التي تملكها للوصول إلى المسلمين في تلك المناطق البعيدة.”

محمد يعقوب بك كان قائدا عسكريا قدم من خانية خوقند بعد انهيار سلطة أسرة تشينغ في أجزاء من تركستان الشرقية (غيتي)

تعود بداية الحضور السيادي العثماني في الصين إلى عام 1873 عندما استقبل محمد يعقوب بك بعثة عثمانية في كاشغر. حيث حملت البعثة راية السلطان عبد العزيز وفرمان الاعتراف الرسمي والأسلحة. كما ارتفعت الراية العثمانية فوق أسوار المدينة وتُرِّخت النقود باسم السلطان.

استجابت إسطنبول لطلب يعقوب بك بهدف حماية المناطق الإسلامية أمام التمدد الروسي. لكن الجيوش الصينية التابعة لأسرة تشينغ أعادت السيطرة على تركستان الشرقية عام 1876. ونتيجة لذلك، انتهت تلك التجربة السياسية المبكرة عقب وفاة يعقوب بك عام 1877.

جسر الحديقة في شنغهاي أكبر مدينة وميناء بحري في الصين. وتقع المباني الظاهرة على اليسار عند طرف منطقة الامتيازات الأجنبية والحي التجاري (غيتي)

وصل العالم العثماني محمد علي أفندي إلى العاصمة بكين عام 1902 بزي علماء إسطنبول. بناء على ذلك، أقام في منزل الإمام وانغ كوان (وانغ هاورين) إمام مسجد نيوجيه. إضافة إلى ذلك، تعاون الطرفان لتطوير التعليم الإسلامي ودمجه بالمعارف الحديثة واللغة الصينية.

الاهتمام الدولي بمدينة شنغهاي تزايد بفضل إمكاناتها الاقتصادية والتجارية (غيتي)
الاهتمام الدولي بمدينة شنغهاي تزايد بفضل إمكاناتها الاقتصادية والتجارية (غيتي)

“اعتمد تعليم المساجد الصينية لقرون على نظام قاعة الكتب، الذي يركز على القرآن والعربية والفقه والمتون الإسلامية.”

سافر الإمام وانغ كوان إلى إسطنبول واستقبله السلطان عبد الحميد الثاني بحفاوة كبيرة. حيث أرسل السلطان مجموعة ضخمة من الكتب والمؤلفات الدينية والمدرسين العثمانيين. ونتيجة لهذا الدعم، تأسست دار العلوم الحميدية عام 1907 لتدريب المعلمين وتحديث المناهج في بكين.

وصل المصلح العثماني حبيب زاده أحمد كمال إلى منطقة أتوش قرب كاشغر بتاريخ 14 مارس/آذار 1914. بناء على ذلك، افتتح مدرسة “دار المعلمين الاتحادية” بتاريخ 19 أبريل/نيسان لتخريج المدرسين. كما حظي المشروع بدعم كبير من عائلة موساباي التجارية الرائدة في الحركة الجديدية.

اتخذ وانغ من الدعم العثماني أداة لتجديد التعليم وتقوية موقع المسلمين داخل المجتمع والدولة (ملكية عامة)

“اتجه وجهاء أتوش إلى إسطنبول طلبا لمعلم يستطيع تنظيم مؤسسة لإعدادهم.”

أدخل أحمد كمال المناهج الحديثة والرياضة والمسرح والخطابة إلى المدرسة الاتحادية. لكن السلطات الصينية اعتقلت المعلم العثماني عام 1915 بسبب مخاوفها السياسية وقررت نفيه لاحقاً. ومع ذلك، استمر الأثر التعليمي والفكري الذيتركه في المنطقة عبر أجيال المعلمين الجدد.

أحمد كمال أدخل إلى”دار المعلمين الاتحادية” الخطابة والمسرح، فكان الطلاب يلقون الخطب وينشدون القصائد أمام الأهالي (حساب طاهر أمين على فيسبوك)

حققت الرحلة العثمانية أهدافاً تعليمية وفكرية تجاوزت حدود السياسة اليومية للمقنصليات. بناء على ذلك، أرسخت البعثة روابط ثانوية ودينية وثقافية بين إسطنبول والجاليات الإسلامية في أقصى الشرق. وهكذا خلد التاريخ هذه المحطة البارزة بين الخلافة العثمانية والأراضي الصينية مع مطلع القرن العشرين.

المصدر : نبأ الإخبارية – الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *