السياسة الخارجية لترمب والانتخابات الأمريكيةالسياسة الخارجية لترمب والانتخابات الأمريكية

واشنطن – نبأ الإخبارية: تتحول السياسة الخارجية لترمب والانتخابات الأمريكية إلى عبء اقتصادي وسياسي ضاغط. وتستهدف هذه الضغوط الحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

ويربط الناخبون بين الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة والقرارات الدولية. حيث تأتي المواجهة العسكرية مع إيران والرسوم الجمركية في مقدمة الأسباب. وبناءً على ذلك، ارتفعت أسعار السلع الأساسية والوقود بشكل ملحوظ.

وأوضح تحليل موسع لوكالة “رويترز” أن الملف الخارجي لم يعد قضية ثانوية. فقد انعكست التداعيات المباشرة للقرارات الدولية على الأوضاع الاقتصادية اليومية. لِذا يواجه الرئيس دونالد ترمب ومرشحو حزبه اختباراً انتخابياً حرجاً. ويُهدد هذا الوضع سيطرتهم الحالية على مجلسي النواب والشيوخ.

وأظهر استطلاع حديث أجرته رويترز بالتعاون مع مؤسسة “إبسوس” نتائج لافتة. إذ يحمّل 78% من الأمريكيين سياسات إدارة ترمب المسؤولية عن ارتفاع الأسعار. وتتجاوز هذه الارتفاعات معدلات نمو الدخول الشهرية للمواطنين.

ويشير المحللون إلى أن التأثير السياسي للأزمات الحالية يُعد الأكبر تاريخياً. فهو يعيد للأذهان مشهد انتخابات عام 2006. حيث خسر الجمهوريون حينها أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس خلال رئاسة جورج دبليو بوش. وأدى الرفض الشعبي للحرب في العراق إلى تلك الخسارة.

وفي هذا السياق، صرح كريستوفر بريبل، الزميل البارز في مركز “ستيمسون” للأبحاث بواشنطن. إذ قال: «يعاني الناس فعلياً من تأثير حرب ترمب وسياساته الأخرى.. والآن يمتلك الناخبون فرصة للتعبير عن استيائهم الصريح من طريقة تعامله مع هذه الملفات».

ومع هبوط معدلات تأييد الرئيس ترمب، بات البيت الأبيض أكثر إدراكاً للأزمة. حيث أدركت الإدارة الصلة المباشرة بين القرارات الخارجية وتصاعد تكاليف المعيشة. ونتيجة لذلك، اتخذت الإدارة قرارات استثنائية قبيل انطلاق الاقتراع.

وكان من أبراز هذه الخطوات موافقة واشنطن على رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية. واستهدفت الخطوة زيادة المعروض وتخفيض أسعار الوقود بالسوق المحلي. لكن القرار واجه انتقادات حادة من داخل الحزب الجمهوري نفسه. فرأى المنتقدون أنه يعزز الانطباع بتقديم تنازلات لموسكو.

بالإضافة إلى ذلك، مارست الإدارة ضغوطاً مكثفة على حكومة كييف. وحثتها على تجنب استهداف مصافي التكرير داخل الأراضي الروسية. وجاء ذلك لتخفيف حدة القفزات المتتالية في أسعار البنزين أمريكياً.

ويعزو الخبراء الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة إلى الحرب المتواصلة ضد إيران. وتعهد ترمب بعدم إصدار أوامر بهجمات عسكرية جديدة قبل موعد الانتخابات. وجاء التعهد رغم وجود تقارير استخباراتية تتحدث عن استعدادات لتصعيد كبير بعد الاقتراع.

وتكشف استطلاعات الرأي أن غالبية الشارع الأمريكي تعارض الاستمرار في الحرب. ولا سيما أن ترمب ركز حملته الانتخابية السابقة على تجنب التدخلات العسكرية. ورغم ذلك، يطالب ترمب المواطنين بتحمل الارتفاع المؤقت كضرورة لمنع طهران من تطوير سلاح نووي.

في المقابل، تجدد طهران تأكيدها على سلمية برنامجها النووي. وتتطابق هذه التصريحات مع تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والاستخبارات الأمريكية. حيث أكدت التقارير وقف طهران لبرنامج التسليح النووي منذ عام 2003.

خبراء يعزون الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة إلى الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران (رويترز)
خبراء يعزون الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة إلى الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران (رويترز)

وبالتوازي مع هذه التطورات، بدأ مرشحون جمهوريون الابتعاد عن مواقف ترمب. وشمل هذا التباعد الملفات الشرق أوسطية، والحرب التجارية مع كندا، والضغط على أوكرانيا.

ونقلاً عن مسؤولين إيرانيين كبار، تسعى طهران عمداً لرفع أسعار النفط. وتستهدف بذلك إلحاق الضرر بترمب انتخابياً عبر استهداف الملاحة بمضيق هرمز.

لكن البيت الأبيض دافع بقوة عن نهج الرئيس. وقال المتحدث باسمه مات مدلتون: «كان الرئيس واضحاً بشأن الاضطرابات المؤقتة نتيجة الصراع مع إيران. غير أن الفارق بين سجل ترمب الاقتصادي والبديل المدمر للديمقراطيين يظل واضحاً للجميع».

اقرأ أيضاً:

تاريخياً، تتحول انتخابات التجديد النصفي إلى استفتاء مباشر على أداء الرئيس. وتظل الأوضاع الاقتصادية اليومية العامل الأكثر حسم للناخبين. وتستحضر هذه الظروف المقولة السياسية الشهيرة لعام 1992: «إنه الاقتصاد، يا غبي».

ورغم أن السياسة الخارجية تحتل عادة مرتبة متأخرة في أولويات الناخب، إلا أن المواطنين يربطون بين قرارات ترمب الدولية ومفاقمة أعباء المعيشة. بناءً على ذلك، يمتد الأثر السلبي للرسوم الجمركية والحرب على إيران إلى السلع الغذائية والخدمات.

وأظهر أحدث استطلاع لمجلس شيكاغو للشؤون العالمية نتائج مماثلة. إذ يعتقد معظم الأمريكيين أن الإجراءات الخارجية أضرت بمكانة واشنطن الاقتصادية والدولية.

تزامن ذلك مع تحولات عميقة في النظام الدولي القائم على القواعد. فضلاً عن تدهور العلاقات مع حلفاء تقليديين وتزايد الشكوك حول حدود القدرة الأمريكية.

وعلى صعيد الخريطة الانتخابية، يمتلك الديمقراطيون فرصة قوية لاستعادة النواب. بينما أصبحت المنافسة على مقاعد مجلس الشيوخ أكثر شراسة.

وقد تؤدي خسارة الجمهوريين لأحد المجلسين إلى عرقلة أجندة ترمب التشريعية. ورغم أن الكونغرس لا يملك صلاحية مطلقة لتقييد الخارجية، إلا أنه يفرض كوابح مالية صارمة.

وبعد انتهاء الانتخابات، يبرز السؤال حول كيفية تحرك ترمب في مرحلة “البطة العرجاء” (Lame Duck). حيث لا يحق له الترشح مجدداً لولاية ثالثة.

وفي هذا الإطار، يوضح جون ألترمان الباحث في مركز (CSIS): «تصبيح السياسة الخارجية المجال المفضل للرؤساء حين يواجهون قيوداً سياسية داخلية».

وأخيراً، يخلص التحليل إلى أن مسار السياسة الخارجية لترمب سيبعد عن الجمود. وسيبقى مفتوحاً على احتمالات متعددة بفعل الحسابات الانتخابية والتغيرات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *