كشف مركز عدالة الحقوقي، في تقرير جديد صدر الإثنين، عن تصاعد غير مسبوق في استخدام سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، لا سيما منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مستندًا إلى معطيات رسمية حصل عليها عبر طلب حرية معلومات من وزارة القضاء الإسرائيلية.

وأوضح التقرير أن الاعتقال الإداري استُخدم تاريخيًا بصورة شبه حصرية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، إلا أن العامين الأخيرين شهدا توسعًا مقلقًا في نطاق تطبيقه داخل الخط الأخضر، حيث سُجلت عشرات الحالات بحق فلسطينيين مواطنين في إسرائيل، ما يشير – بحسب المركز – إلى تراجع فعلي عن أي اعتبار تمنحه المواطنة في مثل هذه الإجراءات.

وبحسب المعطيات الرسمية، فُتحت 560 قضية اعتقال إداري في محاكم الاحتلال ضد مواطنين ومقيمين في إسرائيل (فلسطينيون في الداخل والقدس الشرقية) منذ مطلع عام 2020 وحتى 21 أيار/ مايو 2025. ومنذ اندلاع الحرب على غزة وحتى التاريخ ذاته، نظرت المحاكم المركزية في 297 قضية، ما يعكس ارتفاعًا حادًا خلال فترة الحرب.

وعلى صعيد الاستئنافات، قُدّم ما لا يقل عن 175 استئنافًا إلى المحكمة العليا ضد أوامر الاعتقال الإداري خلال الفترة نفسها، رفضت منها 145 استئنافًا بشكل قطعي، فيما قبلت خمسة استئنافات جزئيًا، وأعادت 18 ملفًا إلى المحاكم المركزية، وأُغلق ملف واحد لأسباب تقنية، بينما لا تزال خمسة ملفات مفتوحة.

أما في المحاكم المركزية، فقد رُفضت أربعة ملفات فقط من أصل 560، جميعها في القدس، في حين صادقت الغالبية الساحقة على أوامر الاعتقال، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرًا على أن دور المحاكم يقتصر عمليًا على إضفاء شرعية شكلية على قرارات الأجهزة الأمنية.

وأشار التقرير إلى أن إدارة المحاكم رفضت تزويد المركز بتفاصيل شاملة حول هوية المعتقلين وأعمارهم ومدد اعتقالهم وعدد أوامر التمديد أو الإلغاء، متذرعة بسرية الجلسات وغياب تسجيل رقمي لبعض المعطيات، وهو ما وصفه “عدالة” بأنه تستر على حجم الانتهاكات.

وأكد المركز أن الاعتقال الإداري يُعد من أخطر الوسائل الاستثنائية، إذ يتيح احتجاز أشخاص دون توجيه تهم أو تقديم لوائح اتهام، استنادًا إلى مواد استخبارية سرية لا يطّلع عليها المعتقل أو محاميه، وبذريعة وجود “خطر مستقبلي”.

وبيّن التقرير أن إسرائيل ورثت نظام الاعتقال الإداري من أنظمة الطوارئ في فترة الانتداب البريطاني، ووسعته ليصبح أداة دائمة. ففي الضفة الغربية يُطبّق الاعتقال الإداري بموجب أمر عسكري رقم 1591 لعام 2007، الذي يتيح احتجاز الأفراد لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد دون سقف زمني محدد.

أما في قطاع غزة، فيُنفذ الاعتقال بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين” لعام 2002، حيث احتُجز آلاف الفلسطينيين منذ بداية الحرب في مرافق تابعة لمصلحة السجون ومعسكرات عسكرية، من بينها معسكر “سدي تيمان” جنوب إسرائيل.

وفي الداخل المحتل والقدس الشرقية، يُفرض الاعتقال الإداري بموجب قانون صلاحيات الطوارئ (الاعتقال) لعام 1979، الذي يمنح وزير الأمن صلاحية إصدار أوامر اعتقال لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، على أن تُعرض على محكمة مركزية خلال 48 ساعة، مع إمكانية الاستئناف أمام المحكمة العليا.

وسلّط التقرير الضوء على قضايا مثّل فيها المركز معتقلين إداريين بعد 7 أكتوبر، من بينها قضية القيادي في حركة “أبناء البلد” رجا إغبارية (73 عامًا)، الذي اعتُقل إداريًا بين نيسان/ أبريل وآب/ أغسطس 2025، وأفاد بتعرضه لانتهاكات جسدية خلال فترة احتجازه.

كما أشار إلى حالة مواطن فلسطيني اعتُقل إداريًا رغم تمتعه بعمل ثابت وحياة عائلية مستقرة وعدم وجود سجل جنائي بحقه، حيث صادقت المحكمة على اعتقاله استنادًا إلى مواد سرية، متجاهلة – بحسب التقرير – الطابع التمييزي للإجراء.

وخلص مركز “عدالة” إلى أن المعطيات تُظهر ترسّخ نظام الاعتقال الإداري في المنظومة القضائية الإسرائيلية، معتبرًا أن المحاكم، بما فيها المحكمة العليا، لم تؤدِّ دورًا فعليًا في كبح هذه السياسة، بل صادقت في معظم الأحيان على قرارات الأجهزة الأمنية، في ظل استمرار العمل بحالة الطوارئ منذ عام 1948، ما حوّل الإجراء الاستثنائي إلى ممارسة دائمة تمكّن السلطات من احتجاز الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة، في التفاف – بحسب وصفه – على التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *