نبأ الإخبارية :
لم يعد الحديث عن الحرب الأخيرة على قطاع غزة مجرد أرقام تُتلى في نشرات الأخبار، ولا مشاهد عابرة في تقارير عاجلة. هناك ما هو أعمق من ذلك بكثير؛ هناك حكايات لم تُروَ كاملة، وأصوات لم تجد من ينقل ارتجافها، ووجوه ظلت خلف الكاميرا. هنا تحديدًا يأتي مسلسل “صحاب الأرض” ليملأ هذا الفراغ، لا بوصفه عملًا ترفيهيًا، بل باعتباره شهادة فنية على زمن ثقيل بالدم والانتظار.
العمل لا يدّعي الحياد البارد، ولا يختبئ خلف مسافة آمنة بينه وبين الحدث. على العكس، يقترب حتى يكاد يلامس التفاصيل المؤلمة: بيتٌ كان عامرًا فأصبح ركامًا، أمٌّ تحصي أبناءها كل ليلة خوفًا من الغياب المفاجئ، طفلٌ يسأل عن معنى القصف كما لو أنه يسأل عن درس مدرسي جديد.
“صحاب الأرض” لا يبالغ في صناعة الدموع، لأنه ببساطة لا يحتاج إلى ذلك. الواقع نفسه أكثر قسوة من أي خيال. ما يفعله المسلسل أنه يعيد ترتيب الفوضى، يمنح الحكاية وجهًا وصوتًا، ويعيد للضحايا أسماءهم بعد أن تحوّلوا إلى أرقام في بيانات عاجلة.
القوة الحقيقية للعمل تكمن في إصراره على التذكير. في زمن تتسارع فيه الأخبار وتُنسى المآسي بسرعة، يأتي المسلسل ليقول إن ما جرى ليس حدثًا عابرًا في شريط الأخبار، بل جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الناس. إنه يرفض أن تتحول الحرب إلى “أرشيف”، ويصرّ على أن تبقى حاضرة في الوعي.
ومن خلال قصصه المتشابكة، يطرح العمل سؤالًا وجوديًا: ماذا يعني أن تبقى في أرضك حين يصبح البقاء مخاطرة يومية؟ الإجابة لا تأتي بشعارات، بل بمشاهد صامتة أحيانًا أقوى من أي خطاب؛ يدٌ تتمسك بتراب البيت، نظرة تحدٍّ وسط الدمار، وقرار بالبقاء رغم كل شيء.
قد يختلف المشاهدون في تقييمهم الفني لبعض تفاصيل العمل، لكن من الصعب إنكار أن “صحاب الأرض” تجاوز حدود الشاشة ليصبح جزءًا من النقاش العام حول الذاكرة والهوية والصمود. إنه عمل يختبر قدرة الدراما على أن تكون أكثر من حكاية، أن تكون موقفًا، وصوتًا، ومرآة لواقع لا يحتمل التجميل.
في النهاية، “صحاب الأرض” ليس مجرد مسلسل عن حرب مضت، بل عن إنسان ما زال يعيش تبعاتها كل يوم. هو تذكير بأن الأرض ليست خلفية للأحداث، بل جوهر الحكاية نفسها… وأن أصحابها، رغم كل شيء، ما زالوا هناك.