نبأ الإخبارية: في عالم السياسة الدولية، يُقال إن الشيطان يكمن في التفاصيل، لكن في الملف الإيراني الأميركي يبدو أن الشيطان يتمثل أساساً في “الضمانات”، التي تحولت إلى العقدة الأبرز أمام أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران.

فعلى مدى جولات طويلة من المفاوضات غير المباشرة، اقترب الطرفان أكثر من أي وقت مضى من بلورة إطار تهدئة، غير أن هذا التقارب سرعان ما يتراجع في اللحظات الأخيرة، وسط حسابات سياسية داخلية دقيقة تمنع أي طرف من تقديم تنازلات يمكن أن تُفسَّر على أنها ضعف.

ويعكس هذا المسار حالة من المراوحة المستمرة، تطرح تساؤلاً مركزياً: ما الذي يمنع الوصول إلى اتفاق حتى الآن؟

الملف النووي.. قلب الأزمة


يتصدر الملف النووي الإيراني جوهر الخلافات بين الجانبين، إذ تصر الولايات المتحدة على ضمانات صارمة تمنع طهران من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي.

وتُعد مسألة اليورانيوم عالي التخصيب أبرز نقاط التوتر، خاصة مع تراكم مخزونات تُقدَّر بأنها قادرة على إنتاج عدة أسلحة نووية في حال استكمال التخصيب إلى مستويات أعلى.

ورغم الضربات التي استهدفت منشآت إيرانية خلال يونيو/حزيران الماضي وألحقت أضراراً بالبنية التحتية، فإن أجزاء من البرنامج النووي، خصوصاً في المواقع تحت الأرض، يُعتقد أنها لا تزال قائمة، إلى جانب مخزونات من اليورانيوم المخصب.

وفي هذا السياق، تدفع واشنطن باتجاه إخراج أو تدمير هذه الكميات تحت إشراف دولي، وهو مطلب تعتبره طهران مساساً مباشراً بسيادتها وترفضه بشكل قاطع.

إرث الانسحاب من الاتفاق النووي
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2018، حين انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، ما أدى إلى انهيار القيود السابقة وتوسّع إيران تدريجياً في أنشطة التخصيب.

ومنذ ذلك الوقت، تراكمت مستويات اليورانيوم المخصب لتقترب من عتبات حساسة تثير قلقاً دولياً بشأن إمكانية الاستخدام العسكري.

العقوبات والأصول المجمدة.. البعد المالي للأزمة


لا ينفصل الملف النووي عن الأزمة الاقتصادية والعقوبات المفروضة على إيران، إذ تُعد الأصول المجمدة في الخارج أحد أبرز ملفات التفاوض العالقة.

وتربط واشنطن أي تقدم في تخفيف العقوبات بالتزامات نووية قابلة للتحقق، بينما تطالب طهران برفع تدريجي وشامل للعقوبات، خصوصاً في قطاعات النفط والبنوك والشحن.

وتشير تسريبات إلى مقترحات تتعلق بالإفراج عن جزء من الأصول المجمدة خلال فترة زمنية محددة، مقابل ترتيبات نووية وضمانات أمنية، غير أن هذه الطروحات لا تزال محل خلاف.

أزمة ثقة متجذرة وضمانات غائبة
في خلفية المشهد، تظل أزمة الثقة هي العامل الحاسم، إذ تؤكد طهران أن التجارب السابقة، خصوصاً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق، جعلت مسألة الضمانات شرطاً أساسياً لأي تفاهم جديد.

وفي المقابل، تصر الولايات المتحدة على ترتيبات صارمة تضمن عدم إعادة تطوير البرنامج النووي الإيراني لأغراض عسكرية.

وبين هذه المواقف المتناقضة، تتعثر الجهود الدبلوماسية عند نقطة واحدة: كيف يمكن بناء اتفاق دون ضمانات متبادلة ملزمة؟

مضيق هرمز.. ورقة ضغط إضافية
يبرز ملف مضيق هرمز كإحدى نقاط التوتر الإضافية في المفاوضات، إذ تتقاطع فيه الاعتبارات الاقتصادية والأمنية.

وتطرح بعض المسودات غير الرسمية ترتيبات تتعلق بتنظيم الملاحة وفرض آليات رقابة ورسوم، مقابل تفاهمات أوسع تشمل العقوبات والملف النووي.

لكن هذه المقترحات لا تزال غير نهائية، وتواجه خلافات جوهرية حول طبيعة السيطرة والاختصاصات.

خاتمة
في المحصلة، لا تبدو هذه الملفات مجرد تفاصيل تقنية، بل عناصر صراع تعكس ميزان القوى بين الطرفين. فبين الضغوط الأميركية وأوراق النفوذ الإيرانية، تبقى “الضمانات” هي العقدة التي تعيد المفاوضات إلى نقطة البداية كلما اقتربت من الحل.

وهكذا، يظل “شيطان التفاصيل” حاضراً بقوة، ليؤكد أن الوصول إلى اتفاق نهائي ما زال بعيد المنال، رغم كل محاولات التقارب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *