نبأ الإخبارية:
بقلم :داليا نوفل /إعلامية
تخيل عالمًا تتحرك فيه القوى الكبرى كما في لعبة Risk، حيث كل دولة قطعة على اللوحة، وكل تحرك عسكري أو سياسي هو رمية نرد تحدد المصير. هذا العالم أصبح اليوم مجالًا لهوس دونالد ترامب، الذي لا يكتفي بمحاولاته للسيطرة على الاقتصاد العالمي أو النفوذ السياسي، بل تجاوز كل الحدود ليصبح لاعبًا على خريطة الأرض نفسها. في كل خطوة يقوم بها، يمكن رؤية نفس العقلية التي يتحكم بها أي لاعب محترف: توزيع القوات، تحديد أهداف الدول، واحتساب المكاسب والخسائر قبل أن يتم رمي النرد.
تسريبات مؤخرًا تشير إلى أن ترامب يضع كندا على رأس قائمة أهدافه الجديدة، مستغلاً ما يسميه “ضعف الدفاعات الكندية في القطب الشمالي”، ليمنع خصومه التقليديين روسيا والصين من تعزيز وجودهم هناك. ومع تحركاته العسكرية واللوجستية لتعزيز الدوريات البحرية الأميركية وشراء كاسحات الجليد، يمكن القول إن الهدف لم يعد مجرد نفوذ محدود، بل السيطرة الكاملة على نصف الكرة الغربي.
هوس ترامب لم يقتصر على الشمال، فقد شمل محاولاته التدخلية في فنزويلا، حيث نصب نفسه حاكمًا مؤقتًا بعد اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، وهدد كوبا بتغيير قيادتها إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع واشنطن، كما يهدد إيران بضربة عسكرية سريعة وحاسمة إذا استمر النظام في قمع المتظاهرين. المنطق الذي يتبناه في هذه المغامرات يشبه تمامًا عقلية لعبة Risk: “إذا لم تتمكن دولة من الدفاع عن أراضيها، فحق السيادة فيها قابل للنقاش”، وهو نفس المنطق الذي يستخدمه حاليًا في محاولاته المستمرة للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة الضخمة الواقعة شمال شرق كندا، والتي تمثل موقعًا استراتيجيًا مهمًا في القطب الشمالي.
ولم يتوقف الهوس عند هذا الحد، بل امتد ليشمل نصف الكرة الغربي بأكمله، من كندا وغرينلاند في الشمال إلى أميركا اللاتينية، إلى جانب الشرق الأوسط، حيث يسعى لوضع “رجله” في المنطقة عبر مجلس السلام الذي أنشأه في قطاع غزة. وفي محاولة للسيطرة غير المباشرة على هذه المناطق، يستخدم ترامب النفوذ السياسي والعسكري والتهديدات المباشرة وغير المباشرة على كندا وغرينلاند وفنزويلا وكوبا وإيران، إلى جانب محاولات التأثير على السياسات الإقليمية في الشرق الأوسط.
في الواقع، ما يفعله ترامب يشبه لاعبًا يوزع جنوده على الخريطة، يخطط للهجوم على دولة، يضغط على خصمه، ويرمي النرد ليحدد النتيجة، لكنه هذه المرة لا يلعب على لوحة خشبية بل على أراضي حقيقية ومصائر شعوب. ولأن اللعبة في النسخة الواقعية هذه تشمل الاقتصاد، الموارد، التحالفات، والتهديدات العسكرية، فإن المخاطر تصبح أكبر بعشرات المرات.
باختصار، ما نراه اليوم هو ترامب الذي يحوّل العالم إلى لوحته الخاصة في Risk،تلك اللعبة الاستراتيجية التي تعتمد على السيطرة على العالم بالجيش والحيلة والخداع، حيث الحدود ليست مجرد خطوط على الورق، بل مناطق نفوذ يجب الاستحواذ عليها، والخصوم أعداء يجب تجاوزهم، والجنود ليسوا مجرد قطع خشبية بل قواعد وقوات حقيقية. وكل خطوة من خطواته تكشف هوسًا بالسيطرة لم يعد يقتصر على الرغبة في النفوذ الاقتصادي أو العسكري، بل إلى رغبة شبه مطلقة في إعادة رسم خريطة العالم على نسخته الخاصة.