بقلم : أريج نخلة
نبأ الإخبارية :-
أنا لاجئة فلسطينية…
وهذه ليست جملة عابرة، بل عمرٌ كامل من الفقدان.
أن تكون لاجئاً يعني أن ترث الحزن قبل أن ترث اسمك.
أن تكبر وأنت تسمع أمك تبكي بصوت منخفض كلما ذُكرت فلسطين، وأن ترى في عيني جدتك وطناً كاملاً لم يغادرها رغم مرور السنين.
نحن لا نتذكر النكبة كذكرى بعيدة…
نحن نعيشها كل يوم.
في عام 1948، خرج أجدادنا من بيوتهم وهم يظنون أن الغياب لن يطول، حملوا المفاتيح، وأغلقوا الأبواب على أمل العودة بعد أيام. لكن الأيام تحولت إلى عقود، والطرق التي خرجوا منها امتلأت بالخيام والبرد والخذلان.
رحل كثيرون وهم ينتظرون العودة.
وماتت أمهات وهنّ يرددن أسماء القرى كأنها صلاة أخيرة.
أما نحن، أبناء اللجوء، فكبرنا على حكايات البيوت التي لم نرها، لكننا أحببناها أكثر من أي مكان عرفناه.
أتخيّل جدتي ليلة التهجير الأولى…
كيف حملت أطفالها بيد، ومفتاح البيت باليد الأخرى، وكيف مشت بين الناس وهي تلتفت خلفها كل لحظة، خائفة أن تنسى شكل الطريق المؤدي إلى البيت.
ربما لم تكن تعرف حينها أن تلك الخطوات الصغيرة ستتحول إلى عمرٍ كامل من اللجوء، وأن أبناءها وأحفادها سيكبرون وهم يسمعون كلمة “العودة” أكثر مما يسمعون كلمة “الوطن”.
واليوم…
حين ننظر إلى قطاع غزة، نشعر أن التاريخ يعيد نفسه بطريقة أكثر وجعاً.
نرى الأمهات يركضن بأطفالهن تحت القصف، نرى العائلات تترك بيوتها هرباً من الموت، ونرى طفلاً يجلس وسط الركام يحتضن حقيبته المدرسية كأنها الشيء الوحيد الذي بقي له من الحياة.
نسمع صراخ الأمهات الخارج من بين الدمار… فنفهم أن النكبة لم تنتهِ أبداً.
وفي الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل قسوة.
في جنين، تُقتحم المخيمات كما لو أن اللجوء جريمة لا تنتهي، تُهدم البيوت، وتُترك الجدران مثقوبة بالرصاص، بينما تبحث الأمهات عن أبنائهن بين الدخان والخوف.
وفي طولكرم، تستيقظ العائلات على أصوات الجرافات والرصاص، وكأن المخيمات كُتب عليها أن تبقى شاهدة على الألم الفلسطيني جيلاً بعد جيل.
أما في القدس، فيعيش الفلسطيني كل يوم تحت خطر الهدم والتهجير وسرقة الأرض، بينما يحاول أن يتمسك بما تبقى من وطنه وسط هذا الخراب الكبير.
ما يحدث اليوم ليس حرباً فقط…
إنه اقتلاع جديد للروح الفلسطينية.
أيُّ قلبٍ يستطيع احتمال مشهد أبٍ يحمل أجزاء أطفاله؟
أيُّ لغةٍ تكفي لوصف أمّ تجلس قرب كفن صغير وتبكي بصمت لأن الدموع لم تعد تكفي؟
وأيُّ عالمٍ هذا الذي اعتاد صور الموت حتى صار خبر استشهاد الأطفال أمراً عادياً؟
في كل مرة يُقصف فيها بيت في غزة، تسقط قطعة من قلوبنا جميعاً.
وفي كل اقتحام لمخيم في جنين أو طولكرم أو رام الله او نابلس والخليل، تعود النكبة لتفتح جراحاً لم تُغلق منذ 1948.
نحن الفلسطينيون لا نخاف الموت فقط…
نخاف أن نموت بعيداً عن بيوتنا، أن نرحل قبل أن نعود،
قبل أن يرى العالم حكايتنا كما كانت، ويعرف أننا كنا هنا يوماً…
نحلم مثل باقي البشر بحياةٍ عادية، بصباحٍ بلا قصف،
وبأمّ لا تخاف على أطفالها، وبوداعٍ لا يكون الأخير في كل مرة.
أنا لاجئة…
وأعرف جيداً معنى أن يحمل الإنسان وطنه داخله لأنه لم يعد يملك مكاناً آمناً فوق هذه الأرض.
نعرف معنى أن تكبر وأنت تشعر أن العالم كله أوسع منك، إلا قبر الشهيد.
وأن الحنين قد يتحول إلى مرض يسكن القلب، لأنك تحب أرضاً لم يسمحوا لك حتى أن تراها.
لكن، رغم كل هذا الوجع…
ما زلنا هنا.
ما زلنا نرفع أسماء مدننا وقُرانا كأنها رايات نجاة، وما زالت الجدات تحفظ المفاتيح، وما زال الأطفال يولدون وهم يحملون فلسطين في ملامحهم.
قد يهدمون البيوت، لكنهم لا يستطيعون هدم الذاكرة.
وقد يقتلون الناس، لكنهم لا يستطيعون قتل الحكاية.
كل ما نريده…
أن نعيش في وطنٍ لا نخاف فيه من النوم، لأننا لا نعرف إن كنّا سنستيقظ أحياء.
