من الانكسار في كتالونيا إلى العرش العالمي.. كواليس التحول البدني والنفسي الذي قاد البرغوث لمعادلة رقم كلوزه القياسي ضد الجزائر في 2026
نبأ الإخبارية : وقف ليونيل ميسي في 8 أغسطس/آب 2021 أمام الصحفيين في قاعة “كامب نو” عاجزاً عن حبس دموعه. وبدا الرجل الذي قضى أكثر من 20 عاماً داخل النادي الكتالوني وكأنه خُلق ليعتزل بقميصه. وتأسيساً على ذلك، كان ميسي يودع بيته مرغماً بدموع حارقة وكلمات متقطعة، في نهاية بدت مأساوية لواحدة من أجمل قصص كرة القدم عبر التاريخ.
ولكن بعد مرور بضع سنوات، يمكن النظر إلى تلك الدموع باعتبارها بداية لأجمل فصل في مسيرة النجم الأرجنتيني. فمنذ لحظة رحيل ميسي عن برشلونة، حقق ليو كل الألقاب الدولية التي كانت تنقص خزائنه؛ حيث توج بكوبا أمريكا 2021، تلاها بلقب “الفيناليسيما”، ثم تربع على عرش كأس العالم 2022، قبل أن يضيف كوبا أمريكا 2024 لينهي كل الجدل حول إرثه الدولي.

الهدوء النفسي المفقود في برشلونة
ربما تمثل أولى مكاسب الخروج من كامب نو في استعادة الهدوء النفسي المفقود. ففي سنواته الأخيرة، كان ميسي يحمل أثقالاً تفوق مجرد قيادة فريق كرة قدم؛ حيث اختفت الأجيال الذهبية التي دعمته تدريجياً، ورحل صديقه المقرب لويس سواريز، وغابت الكيمياء مع المدرب رونالد كومان، ليجد نفسه مطالباً بإنقاذ الفريق بمفرده في كل موسم.
وفي عام 2020، وصف خوان كارلوس أونزوي (مساعد لويس إنريكي السابق بين عامي 2014 و2017) هذا الوضع المعقد عبر قناة “آيدولوس” على يوتيوب قائلاً:
“ما أبقى ميسي في مكانته هو طموحه وطريقته في التعامل مع لحظات الضغط، إنه يفرض على نفسه مطالب هائلة، ونتيجة لذلك يريد الأفضل ممن حوله سواء كانوا زملاء أو أطباء أو مدربين، وهذا يخلق ضغطاً كبيراً لا يستطيع بعض اللاعبين تحمله”.
ويشير أونزوي إلى أن هذه المتطلبات العالية دفعت ميسي بشكل أو بآخر إلى طلب الرحيل قبل مغادرته الرسمية بعامين، وتحديداً حين كان ملف انضمامه لمانشستر سيتي ساخناً عبر قصة “البوروفاكس” الشهيرة. وبين أزمات الإدارات المتعاقبة والمفاوضات المعقدة للتجديد، وصلت الأعصاب لمرحلة الانفجار، مما انعكس في مؤتمر الوداع. ولكن، منح هذا الابتعاد ميسي هدوءاً قاده لحصد 4 ألقاب دولية متتالية.
الهروب من أعلى مستوى بدني في أوروبا
وعلاوة على ذلك، استفاد قائد “التانغو” بدنياً من قرار مغادرة القارة العجوز. فاللعب في أعلى مستوى أوروبي يتطلب نسقاً مرهقاً وضغطاً متواصلًا يترك آثاراً واضحة عند ارتداء قميص المنتخب. ومع تقدمه في العمر، أصبح الحفاظ على الجاهزية البدنية أمراً حاسماً، وهو ما تحقق بدرجة أكبر عقب خطوة رحيل ميسي عن برشلونة.
ومن ناحية أخرى، حرر هذا الرحيل ذهنه بصورة غير مباشرة؛ إذ حقق البرغوث كل شيء ممكن على مستوى الأندية مع البلوغرانا وباريس سان جيرمان. وبناءً على ذلك، كان يدرك أن تتويجه ملكاً تاريخياً للعبة لن يكتمل إلا بالذهب الدولي. وبعد سنوات من الانتقادات والنهائيات الضائعة، أصبحت كرة قدم المنتخبات هي الأولوية الحقيقية في عقله، ليأتي القرار الذي ظنه البعض نهاية المسيرة، لكنه كان ضربة معلم.

الدوري الأمريكي.. الخيار الذكي والتوهج في مونديال 2026
عندما اختار ميسي الانتقال إلى إنتر ميامي الأمريكي، رأى الكثيرون أنه قبل بمستوى فني أقل، لكن الواقع أثبت عكس ذلك تماماً. لقد منحه الدوري الأمريكي ضغطاً أقل وحياة أكثر استقراراً، وتزامنت هذه الخطوة مع استضافة الولايات المتحدة لكوبا أمريكا 2024 ثم كأس العالم 2026، ليجد ميسي نفسه يلعب في بيته الثاني وسط أجواء اعتاد عليها.
ونتيجة لهذا الارتياح البدني والنفسي، بدأ ميسي مونديال 2026 متوهجاً بشكل استثنائي؛ حيث نجح في تسجيل ثلاثية “هاتريك” تاريخية في شباك منتخب الجزائر، ليعادل الرقم القياسي التاريخي للمهاجم الألماني ميروسلاف كلوزه برصيد 16 هدفاً كأكثر اللاعبين تسجيلاً في تاريخ كأس العالم.
ولم يسبق لميسي أن سجل ثلاثية في أي من مشاركاته الخمس السابقة بالمونديال، ليظهر بحالة بدنية مثالية رغم أنه يوشك على إتمام عامه التاسع والثلاثين. وبناءً على ذلك، تجلت مباراة الجزائر كلوحة فنية أطرت كل ما حققه ميسي منذ عام 2021؛ فقبل خمس سنوات كان يبكي في كتالونيا معتقداً أن قصته انتهت، لكن رحيل ميسي عن برشلونة لم يكن النهاية، بل كان اللحظة التي تحرر فيها من أثقال الماضي ليكتب الفصل الأجمل في التاريخ.
