أبو محمد يفتح متجره على الخسارة ويتمسك بأمل العودة (الجزيرة)أبو محمد يفتح متجره على الخسارة ويتمسك بأمل العودة (الجزيرة)

نبأ الإخبارية: لا تزال تفاصيل الحرب حاضرة بقوة في زوايا سوق النبطية بجنوب لبنان. حيث تظهر واجهات المحال المغلقة وجدرانها المثقبة بآثار القصف العنيف. إذ يحاول أصحاب المصالح التجارية إعادة ترتيب حياتهم خلف أبواب فتحت على استحياء. وبالتوازي مع ذلك، تبدو حركة العودة متباينة للغاية من متجر إلى آخر. فبينما اختار تجار البقاء والتمسك بمحلاتهم، اضطر آخرون للرحيل بحثاً عن الأمان.

وفي الإطار ذاته، يقف التاجر أبو محمد خلف صناديق الخضار في متجره المتواضع. حيث يراقب حركة المارة القليلة ويترقب يوماً جديداً بحذر شديد. ولم تكن الحرب بالنسبة له مجرد إغلاق مؤقت للمتجر بل معركة بقاء صعبة. إذ كان يعود للمحل مع كل فترة هدوء ليرتب بضاعته من جديد. لكن تجدد القصف كان يجبره دائماً على الإغلاق والهروب السريع.

أسواق تستعيد بعضا من حركتها ومدينة تترقب شبح تجدد الحرب (الجزيرة)
أسواق تستعيد بعضا من حركتها ومدينة تترقب شبح تجدد الحرب (الجزيرة)

وعلى صعيد متصل، تسبب هذا الإغلاق المتكرر في تكبده خسائر مالية فادحة بكل مرة. وحول هذه المعاناة المستمرة ومحاولات الاستقرار الصعبة، يتحدث التاجر أبو محمد بحرقة قائلاً:

“جئنا تقريباً 3 أو 4 مرات إلى متجرنا بالسوق. وفي كل مرة نملأ المحل بالبضاعة الجديدة لخدمة زبائننا. لكن سرعان ما ينهار وقف إطلاق النار فنضطر للمغادرة فوراً. أخسر في كل مرة بضائع تالفة بآلاف الدولارات. لكني ابن النبطية ولا أستطيع العيش بعيداً عنها أبداً.”

اللافت أن أبو محمد يضع احتمالية الخسارة دائماً في حساباته اليومية المعقدة. فهو يفضل تحمل الكلفة المالية على الابتعاد عن مدينته التي قضى بها ربع قرن.

ميدانياً، اختار التاجر سهيل ياسين طريقاً مختلفاً تماماً لإنقاذ تجارته وعائلته. حيث قرر عدم الانتظار طويلاً خلف باب متجره المغلق والمثقل بآثار الدمار. وكان متجر ياسين يمتد قبل الحرب على ثلاثة طوابق مخصصة للملابس والأحذية. لكن الغارات الجوية حولت هذه المساحة التجارية الكبيرة إلى مبانٍ مدمرة بالكامل.

وحيث أن البقاء بالمدينة بات يهدد بضياع كامل رأس ماله، فقد غادر ياسين. ونقل نشاطه التجاري بالكامل إلى العاصمة بيروت بعد سبعة أشهر من الانتظار. واستأجر متجراً جديداً بمنطقة عرمون محاولاً بدء فصل جديد في حياته المهنية. إلا أن قراره الصعب تسبب في تشريد 7 شبان كانوا يعملون لديه بالمتجر سابقاً.

اقرأ أيضاً:

من الملعب إلى السياسة.. “لافتة المالفين” تفجر أزمة دولية وتفسد تأهل الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم 2026

ناقوس الخطر يدق.. “الجنائية الدولية” تحذر من مجازر وشيكة بالأُبيّض وتكشف تفاصيل مروعة

وعلى نطاق واسع، لا يعد ما يعيشه تجار النبطية مجرد حالات فردية معزولة. بل يمثل صورة مصغرة لأزمة أوسع تضرب سوق العمل اللبناني بعنف. وتشير أحدث بيانات منظمة العمل الدولية إلى تضرر كبير بالقطاع الخاص:

بين متجر بقي وآخر رحل الحرب ترسم مصير تجار النبطية (الجزيرة)
بين متجر بقي وآخر رحل الحرب ترسم مصير تجار النبطية (الجزيرة)

• تراجع متوسط دخل العمل في لبنان بنسبة بلغت 40.4%. • واحد من كل ثلاثة عمال لم يعودوا إلى وظائفهم مجدداً. • بلغت خسائر الوظائف في محافظة النبطية نسبة قياسية وصلت 76.5%. • وصلت نسبة خسائر الوظائف في عموم محافظة الجنوب نحو 43.2%. • أصبح 28.2% من عمال المناطق المتضررة عاطلين عن العمل بالكامل. • خرج نحو 4.7% من العمال من سوق العمل اللبناني بصفة نهائية.

وفي ختام التقرير، تعكس هذه الأرقام المخيفة حجم التحدي الاقتصادي بالجنوب اللبناني. حيث تظل عملية استعادة الحياة التجارية مرتبطة كلياً بمدى استقرار الوضع الأمني. ويبقى تجار سوق النبطية معلقين بين رغبة التشبث بالأرض وخوف تجدد الغارات المدمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *