شبح التفكك الجيو-اقتصادي يلاحق سلاسل الإمداد ومرحلة جديدة تمنح الأمن والمرونة الأولوية على حساب خفض التكاليف
نبأ الإخبارية : لم يحتج النفط سوى أيام قليلة ليتخلى عن جزء كبير من المكاسب التي حققها أثناء الحرب. وتأسيساً على ذلك، أخفت سرعة استجابة الأسواق سؤالاً أكثر أهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي؛ هل يستطيع العالم العودة إلى نظام التجارة العالمية الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟
إن إعادة فتح مضيق هرمز قد تعيد تدفقات النفط والسفن، ولكنها لا تعيد تلقائياً الثقة وشبكات الاستثمارات والقرارات الإستراتيجية التي دفعت الحكومات والشركات إلى إعادة رسم خرائط الإمداد والطاقة في الأشهر الماضية. وبناءً على ذلك، يرى بعض المحللين أن المعضلة تتجاوز حدود الممر المائي الأهم في العالم، وأن السؤال ليس متى تعود التجارة إلى ما كانت عليه، بل ما إذا كانت الحرب قد سرعت تحولاً بنيوياً كان جارياً بالفعل في الاقتصاد العالمي منذ جائحة كورونا عام 2020، والحرب في أوكرانيا عام 2022، وتصاعد التوترات التجارية بين أمريكا والصين.
اقرأ أيضاً:

بين إعادة الفتح والتطبيع التجاري
نصت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية لعام 2026 على إعادة فتح مضيق هرمز عقب أسابيع من الاضطرابات. وبحسب ما نشرته صحف ووكالات أنباء اعتماداً على مصادر أمريكية، ينص الاتفاق على مرور السفن التجارية دون رسوم لمدة 60 يوماً، وإزالة الألغام في غضون 30 يوماً، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن السواحل الإيرانية.
وبالإضافة إلى ذلك، يقضي التفاهم ببدء حوار بين إيران وسلطنة عُمان ودول الخليج الأخرى بشأن إدارة المضيق وخدماته الملاحية، مع التزام أمريكي بدعم صندوق لإعادة إعمار إيران تصل قيمته إلى 300 مليار دولار.
ولكن التاريخ الحديث يكشف أن إعادة فتح الممرات البحرية لا تعني عودة النشاط فوراً؛ فبحسب تقديرات شركة كبلر، فإن ما يقرب من 500 سفينة كانت بحاجة إلى إعادة تموضع بعد الأزمة، بينما قدّرت الغرفة الدولية للملاحة عدد السفن المتأثرة بنحو 600 سفينة وأكثر من 20 ألف بحار. أما شركة هاباغ لويد فقد تحدثت عن أرقام أعلى بكثير، ويرى المجلس البحري الدولي والبلطيقي “بيمكو” أن استعادة النشاط الطبيعي تعتمد بدرجة كبيرة على وضوح الممرات الآمنة وإعادة تفعيل تغطيات التأمين البحري.
التكاليف وصدمة السلع الأولية
وبحسب تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل/نيسان 2026، تراجعت توقعات النمو العالمي إلى 3.1% مقارنة مع 3.4% قبل النزاع، بينما ارتفع التضخم العالمي المتوقع إلى 4.4% بسبب صدمة السلع الأولية. وفي السياق نفسه، خفضت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لنمو تجارة البضائع العالمية في 2026 إلى 1.4%، فيما توقعت تعافي النمو إلى نحو 2.8% في 2027 إذا تراجعت أسعار النفط واستقرت الأسواق.
وعلاوة على ذلك، حذّر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) من أن نمو التجارة العالمية قد يتباطأ إلى ما بين 1.5% و2.5% مقارنة مع 4.7% قبل الأزمة. وتكشف هذه الأرقام تحولات أعمق؛ حيث حذرت دراسة لصندوق النقد الدولي حول التفكك الجيو-اقتصادي من أن انقسام الاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة قد يكلف ما يصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي المقابل، يشير الصندوق إلى أن العالم الأكثر تعددية لا يعني بالضرورة عالماً أكثر تفككاً.

سلاسل الإمداد.. التعافي على مراحل
وتشير تقديرات شركات الشحن واللوجستيات إلى أن استقرار سلاسل الإمداد لن يكون فورياً، بل سيمر بمراحل عدة تبدأ بإزالة الألغام وتأمين الممرات، ثم استئناف التغطيات التأمينية وعودة السفن، وصولاً إلى تصريف التكدسات في الموانئ.
وقدّر ديميتريس أمباتزيديس من شركة كبلر أن هذه العملية قد تستغرق ما بين شهرين وثلاثة أشهر، بينما رجح توبياس ماير، الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في “دي إتش إل غلوبال فورواردينغ”، فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر قبل عودة الظروف إلى طبيعتها.
ولكن بعض الجهات بقيت أكثر تحفظاً؛ إذ تفترض إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن بعض الأنماط التجارية السابقة للحرب قد لا تعود قبل أوائل 2027، فيما حذر أوسكار سيكالي، الرئيس التنفيذي لمجموعة “إن إس آي” للتأمين، من أن استعادة ثقة شركات التأمين قد تحتاج إلى سنوات. ونتيجة لذلك، فإن النفط والغاز قد يعودان إلى الأسواق أسرع من الحاويات والسلع الصناعية والمدخلات الزراعية.

النفط والسلع.. بين التعافي وتغير قواعد السوق
وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كان خام برنت يتداول قرب 71 دولاراً للبرميل قبل الحرب، ثم قفز إلى نحو 138 دولاراً في ذروة الأزمة في أبريل/نيسان، وتراجع إلى أقل من 78 دولاراً بعد توقيع الاتفاق لعام 2026. وتوقع دان ستروفن، رئيس أبحاث النفط في غولدمان ساكس، أن يتراوح متوسط سعر برنت بين 75 و80 دولاراً في عامي 2026 و2027، فيما رجحت ناتاشا كانيفا، رئيسة أبحاث السلع العالمية في “جي بي مورغان”، بقاء الأسعار عند مستويات أعلى قبل أن تتراجع تدريجياً.
وفي الاتجاه المقابل، حذرت وكالة الطاقة الدولية من تخمة محتملة في المعروض قد تصل إلى 8 ملايين برميل يومياً بحلول 2027، مقابل نمو في الطلب لا يتجاوز مليوني برميل يومياً، مما يفتح الباب أمام احتمال هبوط الأسعار إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب. ولا يقتصر التأثير على النفط؛ فوفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، يمر عبر هرمز جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال والأسمدة والأمونيا والمواد الأولية، مما يجعل أي اضطراب فيه يمتد إلى أسواق الغذاء والزراعة.
من الكفاءة إلى المرونة وجغرافيا جديدة للتجارة
ربما يكون التحول الأهم هو انتقال التجارة العالمية من نموذج قائم على الكفاءة إلى نموذج يمنح أولوية للمرونة؛ حيث ارتفعت أقساط تأمين مخاطر الحرب بنسب وصلت إلى 300% أثناء الأزمة، بينما أضاف الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح ما بين 10 و14 يوماً إلى الرحلات البحرية. ويصف خبراء الاقتصاد هذه الظاهرة بـ”علاوة المرونة”، ويؤكد معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن الأزمة أعادت أمن الطاقة إلى مركز السياسات، محذراً من أن السعي إلى الأمن سيجعل النظام أكثر تكلفة وتجزئة. ومع ذلك، يحذر روبن بروكس، الباحث في معهد بروكينغز، من المبالغة مشيراً إلى أن أزمنة التسليم لا تزال بعيدة عن مستويات اختناق جائحة كورونا.
ومن جانب آخر، تشير دراسة “هندسة التجارة العالمية” الصادرة عن معهد ماكنزي العالمي إلى أن التجارة بين أمريكا والصين تراجعت بنحو 30% في عامي 2024 و2025، بينما أعيد توجيه التدفقات نحو شركاء أكثر توافقاً جيوسياسياً. ويصف المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الاتجاه بأنه أحد أبرز مظاهر “المواجهة الجيو-اقتصادية”.
ورغم كل هذه التحولات، لا يبدو أن الأسواق تتوقع انهياراً دائماً؛ فبحسب إريك نورلاند، كبير الاقتصاديين في “مجموعة بورصة شيكاغو التجارية”، تشير حالة “التراجع المعكوس” في منحنى العقود الآجلة للنفط إلى أن المستثمرين ينظرون للأزمة كصدمة مؤقتة.

ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل التجارة العالمية
وتشير تقديرات المؤسسات الدولية وشركات الشحن والطاقة إلى ثلاثة مسارات رئيسية قد تسلكها التجارة العالمية في المرحلة المقبلة:
- السيناريو المتفائل: تنجح ترتيبات الملاحة الجديدة في ترسيخ الاستقرار الأمني في مضيق هرمز، وتتراجع علاوات المخاطر والتأمين البحري، مما يسمح بعودة التدفقات التجارية إلى مستويات قريبة مما قبل الحرب بحلول نهاية 2026، بدعم من زيادة المعروض النفطي وتراجع أسعار الطاقة والشحن.
- السيناريو الأساسي: وهو الأقرب لتقديرات منظمة التجارة وصندوق النقد، ويفترض عودة تدريجية للتجارة وسلاسل الإمداد حتى أوائل 2027. ووفق هذا السيناريو، تستعيد التدفقات معظم نشاطها السابق، لكن جزءاً من كلفة المخاطر والتأمين والتخزين الاحترازي يبقى قائماً، مما يجعل التجارة أكثر استقراراً من فترة الحرب، ولكن أكثر تكلفة مما كانت عليه قبلها.
- السيناريو المتشائم: يؤدي تصعيد أمني جديد أو تعثر ترتيبات الملاحة والتأمين إلى إطالة أمد الاضطرابات، بما يبقي أسعار الشحن والطاقة مرتفعة ويؤخر عودة سلاسل الإمداد إلى طبيعتها، فيما تضطر الشركات إلى توسيع استثماراتها في المسارات البديلة والمخزونات الاحترازية، وتواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة والغذاء ضغوطاً إضافية على النمو والتضخم.
ورغم اختلاف هذه السيناريوهات، فإنها تتفق على أن عودة التجارة لا تعني بالضرورة عودة النظام التجاري الذي سبق الحرب، فالأزمة لم تخلق التحول الجاري بقدر ما سرّعت مساراً قائماً بالفعل نحو سلاسل إمداد أكثر تنوعاً ومرونة، وهو اتجاه يبدو مرشحاً للاستمرار حتى بعد انحسار آثار الحرب.
المصدر: نبأ الإخبارية – الجزيرة نت
