نشأة معهد دراسات الأمن القومي (INSS) وتطوره
نبأ الإخبارية: شهد صيف عام 2026 انعقاد حلقة النقاش الإستراتيجي الأبرز في إسرائيل. حيث التقى كبار قادة المؤسسات العسكرية والأمنية مع الوزراء وصناع القرار. وبناءً على ذلك، ناقش المجتمعون أكثر الملفات إلحاحاً على الطاولة الإسرائيلية. يُعد “مؤتمر الأمن القومي” المنصة الإستراتيجية الأشد تأثيراً في دوائر صنع القرار. ومن ثم، ينظم المعهد هذا المؤتمر سنوياً لتقييم الأوضاع. ولهذا السبب، نلقي الضوء هنا على أبعاد المؤتمر ومخرجاته. إضافة إلى ذلك، تناولت الجلسات خريطة التهديدات الممتدة للسنوات المقبلة.

نشأ معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عقب حرب عام 1973 مباشرة. علاوة على ذلك، تبلورت القناعة حينها بضرورة وجود جهة مستقلة تقيم التقديرات الأمنية. وبدون ذلك، كانت التقديرات الرسمية ستبقى بعيدة عن النقد والمراجعة. وبناء عليه، بادرت جامعة تل أبيب بإنشاء مركز متخصص عام 1978. حيث تولى اللواء المتقاعد أهارون ياريف مهمة التأسيس. ونتيجة لذلك، اشترط ياريف استقلالية المركز لضمان حرية النقد. ثم تحول التشكيل عام 1983 إلى “مركز جافي للدراسات الإستراتيجية”. وبالتالي، تركزت أبحاث المركز حول الصراع العربي الإسرائيلي والعلاقات الأمنية.
علاوة على ما سبق، تولى رجل الأعمال فرانك لوي رئاسة المركز عام 2006. ولهذا السبب، أُعيدت تسميته حينها ليصبح “معهد دراسات الأمن القومي”. ومن ثم، وسع المعهد برامجه لتشمل السيبرانيات والاقتصاد والدول الإقليمية. بالإضافة إلى ذلك، حافظ المعهد على مقعد القيادة لدى نخبة المخابرات والجيش. حيث تعاقب على رئاسته عاموس يدلين وتامير هايمان. ونتيجة لهذه المسيرة، يُعد المعهد اليوم حلقة الوصل الرئيسية بين الجامعة والمؤسسة الأمنية.

سياق المؤتمر وخريطة التهديدات الخمسة
انعقد المؤتمر بتنظيم مشترك بين المعهد وصحيفة “يديعوت أحرونوت”. وفي الوقت نفسه، جاء المؤتمر في ظرف استثنائي جراء تراكم الأزمات. على سبيل المثال، استمرت حرب غزة وتكررت المواجهات مع إيران. وبالمثل، تصاعد التوتر في الضفة الغربية ولبنان. فضلاً عن ذلك، شهدت العلاقات مع واشنطن تآكلاً ملموساً. ولذلك، قدم المؤتمر فرصة لتقييم الأداء عبر جلسات بعنوان “اختبار القيادة”. ومن ثم، استعرض المؤتمر رؤى المرشحين لرئاسة الحكومة المقبلة.
من ناحية أخرى، عرض الفريق البحثي برئاسة يوفال ألون نتائج دراسته الإستراتيجية. حيث استندت الدراسة إلى استطلاع شمل خبراء وصناع قرار. ووفقاً للنتائج، تواجه إسرائيل منظومة مخاطر متداخلة تتصدرها خمسة تهديدات. على التوالي، تشمل التهديدات الصراع الأهلي، الملف النووي الإيراني، الهجمات الصاروخية، تقويض الديمقراطية، وتآكل الدعم الأمريكي. وبناء على ذلك، أبدى 97% من الجمهور قلقاً بالغاً من التهديدات الداخلية. ونتيجة لذلك، رأى الجمهور أن الانقسام الداخلي يضعف الدولة أمام الأعداء الخارجيين.

بصورة مماثلة، رصد التقييم تصاعد القلق من العزلة الدولية. وتزامناً مع ذلك، تزايدت المخاوف من تراجع الإنتاجية الاقتصادية جراء التغيرات الديموغرافية. حيث تتسع الفجوة بين الفئات المنتجة والمجندة وبين الفئات غير المشاركة. بالتالي، يُشكل نمو فئة الحريديم تحدياً اقتصادياً وعسكرياً. ومن جانب آخر، أظهر المشاركون إجماعاً بشأن المستقبل الفلسطيني. وختاماً لهذه النقطة، يُعد سيناريو الدولة ثنائية القومية الخطر الأكبر على هوية إسرائيل.
“إن التهديد الإستراتيجي الأكبر الذي يواجه إسرائيل اليوم ليس إيران التي توقفت عن تخصيب اليورانيوم نتيجة الضربات العسكرية، إنما هو تراجع الدعم الشعبي والسياسي الأمريكي لإسرائيل، حيث بدأت شبكة الأمان الأمريكية التي استندت إليها إسرائيل تتآكل بصورة مقلقة.”
— تامير هايمان (رئيس معهد دراسات الأمن القومي)

تآكل الدعم الأمريكي والتحديات الأكاديمية
من جهة أخرى، شكل مستقبل العلاقة مع واشنطن المحور الأكثر سخونة. حيث حذر تامير هايمان من تراجع الدعم الحزبي والشعبي الأمريكي. ووفقاً للإحصائيات، تظهر البيانات تحولاً سلبياً لدى الشباب الديمقراطيين والجمهوريين. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت العلاقات تعتمد على العلاقات الشخصية مع الرؤساء. ونتيجة لهذا الاعتماد، يُشكل هذا التحول حالة من الهشاشة الإستراتيجية.
ودعا العميد احتياط عساف أوريون لإعادة فحص العقيدة الأمنية. لأن الحروب الطويلة تفرض تكاليف باهظة على المجتمع والاقتصاد. ولهذا السبب، لا يمكن مواصلة الحروب دون أفق سياسي حاسم. ومن دون هذا الأفق، تتضاعف الخسائر الاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، يجب تقديم إسرائيل كشريك تكنولوجي لوكالات واشنطن. وبالتالي، يعزز هذا الدور مكانة إسرائيل في ظل التنافس الأمريكي مع الصين.

وكما خصص المؤتمر مساحة لمناقشة ظاهرة “هجرة العقول”. حيث شارك في الجلسة رؤساء الجامعات الإسرائيلية. تُعد المنظومة الأكاديمية أصلاً إستراتيجياً كبيراً. لكن في المقابل، يقيم 16% من أصحاب الدكتوراه الإسرائيليين خارج البلاد. وبشكل خاص، ترتفع النسبة في مجالات الرياضيات والفيزياء. فضلاً عن ذلك، تواجه الجامعات مقاطعة أكاديمية صامتة في أوروبا. ونتيجة لهذه المقاطعة، يهدد هذا التراجع القدرة التكنولوجية والعسكرية القائمة على الأبحاث.
وفي الوقت نفسه، كشفت جلسة البلدات الشمالية عن أزمة ثقة عميقة. حيث يتنامى الجدال بين السكان والحكومة عقب مواجهات لبنان. وبسبب هذه الأزمة، انتقد موشيه دافيدوفيتش عمليات الإخلاء الجماعية. فقد خلقت الإخلاءات حزاماً خالياً من السكان داخل الحدود. ولهذا السبب، طالب المسؤولون بتحويل وعود الإعمار إلى مشاريع ملموسة. وبدون ذلك، لن يتشجع السكان على العودة إلى منازلهم.
“إن ربط العلاقات الإسرائيلية الأمريكية بشخص الرئيس الأمريكي يخلق حالة من الهشاشة الإستراتيجية لإسرائيل… كما كشفت الحرب الحالية عن الكلفة والقيود التي تفرضها الحروب الطويلة، وإن مواصلة الحرب دون حلول سياسية أمر غير ممكن.”
— عساف أوريون (الباحث الأول في المعهد والقيادي السابق بجيش الاحتلال)
الملف النووي الإيراني وبدائل إدارة الصراع
تأسيساتً على ما تقدم، تناول الخبراء تقييم الملف النووي الإيراني. من ناحية، ألحقت الضربات العسكرية أضراراً بالغة بمواقع التخصيب. ولكن من ناحية أخرى، لم تستأصل الضربات البرنامج النووي من جذوره. حيث تمتلك طهران كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وبالتالي، تكفي هذه الكمية لإنتاج عدة قنابل نووية. وفي الوقت ذاته، يتحول الخطاب الداخلي الإيراني نحو المطالبة بالردع النووي. ونتيجة لذلك، تباينت الآراء بين مواصلة الضربات أو العودة للتفاوض.
بناء على ذلك، دعا درور شالوم لتبني “تواضع إستراتيجي”. لأن الإنجازات العسكرية التكتيكية لم تحرز حسماً إستراتيجياً. ولذلك، يتطلب الوضع بناء تفاهمات إقليمية واسعة. ومن دون هذه التفاهمات، تستمر حالة الاستنزاف الميداني. إضافة إلى ذلك، يجب استثمار التحولات في سوريا ولبنان. ومن ثم، تشمل التفاهمات المطلوبة مصر والأردن ودول اتفاقيات أبراهام.
كذلك، ناقش المجتمعون بدائل إدارة الصراع والوضع الفلسطيني. فقدت اتفاقيات أوسلو قدرتها على تنظيم العلاقات. بالإضافة إلى ذلك، يُعد استمرار السيطرة على ثلاثة ملايين فلسطيني أمراً غير مستدام. ونتيجة لهذه السيطرة، يؤدي هذا الواقع إلى تكاليف أمنية أو عزلة دولية. وعليه، تستوجب المرحلة اتخاذ خطوات انتقالية تضمن الفصل المستقبلي. وبدون هذه الخطوة، ستنجرف المنطقة نحو مواجهات جديدة.
“إن إسرائيل حققت على المستوى العسكري إنجازات كبيرة، لكنها لم تحقق حسمًا في أي من جبهاتها المفتوحة، سواء في غزة أو مع إيران، كما تراجعت مكانتها الدولية إلى أدنى مستوياتها… القوة العسكرية وحدها، من دون رؤية سياسية، لن تنتج استقرارًا.”
— درور شالوم (الرئيس السابق للدائرة السياسية الأمنية بوزارة الدفاع)

رؤى المرشحين السياسيين والتوصيات الختامية
فما أبرزت المقابلات السياسية تباينات جوهرية بين المرشحين. على سبيل المثال، طالب غادي آيزنكوت بإعادة الصلاحيات الأمنية للجيش. بينما دعا نفتالي بينيت لتطبيق “عقيدة الأخطبوط” ضد إيران. ومن جانب آخر، حث أفيغدور ليبرمان على بناء قوة صاروخية مستقلة. بالمقابل، ركز بيني غانتس ويائير غولان على تشكيل حكومة وحدة. وفي الاتجاه نفسه، جدد بتسلئيل سموتريتش التمسك بفرض السيادة على الضفة. وختاماً، شدد منصور عباس على ضرورة دمج المواطنين العرب.
ختاماً، جاءت الرسالة الختامية عبر رئيس المعهد تامير هايمان. ووفقاً لرؤيته، يتطلب المشهد الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الشامل. وكما يُعد الحفاظ على شبكة الأمان الأمريكية أمراً حيوياً. وأخيراً، يشكل الاندماج الإقليمي شرطاً أساسياً لاستقرار الأمن القومي، ومن دون ذلك ستظل الإنجازات العسكرية مكاسب مؤقتة.
المصدر: نبأ الإخبارية – الجزية نت
