كيف يمكن قراءة صعود الخبرة الاقتصادية في مجتمع أنهكته الحرب والأزمات؟
كتب إسلام أبو عرة لنبأ
رام الله – نبأ الإخبارية: لم تغيّر الحرب على غزة شكل الحياة الفلسطينية فحسب، بل أعادت أيضاً ترتيب الأسئلة التي يواجهها الناس كل يوم، فمع اتساع الدمار في القطاع، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية، وتراجع فرص العمل، وأزمة الرواتب، باتت القدرة على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة سؤالاً يومياً لا يمكن فصله عن السياسة ومستقبل المشروع الوطني.
لكن ذلك لا يعني أن الفلسطينيين تخلوا عن تطلعاتهم التي تنادي للحرية والاستقلال، أو أن لقمة العيش أصبحت بديلاً عن الحقوق الوطنية. الأصح أن الحرب جعلت العلاقة بين الصمود السياسي والقدرة الاقتصادية أكثر وضوحاً: كيف يمكن للناس أن يبقوا على أرضهم، وأن يعيدوا بناء حياتهم، في ظل واقع يضيّق عليهم سبل العيش ويهدد استقرارهم؟
من هذه الزاوية، يمكن قراءة نتائج استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي أُجري بين 7 و11 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بوصفها مؤشراً على تنامي الاهتمام بالقدرة على الإدارة والتعافي الاقتصادي، إلى جانب استمرار حضور الخيارات السياسية التقليدية.
ماذا تقول الأرقام، وماذا لا تقول؟
شمل الاستطلاع 1397 مستجيباً في الضفة الغربية وقطاع غزة، بهامش خطأ بلغ 3.5%. وفي سؤال التفضيل بين سبعة مرشحين للقيادة، حصل مروان البرغوثي على 34%، مقابل 13% لبشار المصري. وفي اختبار منفصل شمل أربعة مرشحين، حصل مصطفى البرغوثي على 37%، وبشار المصري على 21%.
لكن اللافت يظهر بصورة أوضح عند الانتقال من سؤال التفضيل السياسي إلى سؤال القدرة على إدارة التعافي الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة. هنا، حصل بشار المصري على 30%، متقدماً بفارق نقطة واحدة على مصطفى البرغوثي الذي حصل على 29%، فيما بلغت النسبة 8% لحسين الشيخ و6% لجبريل الرجوب.
هذه الأرقام لا تعني أن المصري يتصدر جميع اختبارات القيادة، ولا أنها تحسم موقف الفلسطينيين منه سياسياً. لكنها تكشف عن تمييز مهم في إجابات المشاركين: فاختيار القيادة السياسية ليس السؤال نفسه المتعلق بمن يملك، في نظرهم، القدرة على التعامل مع الاقتصاد والتعافي وتحسين ظروف المعيشة.
وثمة مؤشر آخر يستحق التوقف عنده. ففي تجربة محددة داخل الاستطلاع، ارتفع التأييد لقائمة المصري من 15% في القياس الأولي إلى 25% بعد عرض معلومات عن خلفيته، واستقر عند 25% بعد عرض تفاصيل البرنامج الانتخابي. ولا تمثل هذه النتيجة نسبة ثابتة يمكن تعميمها على جميع اختبارات القوائم، لكنها تشير إلى أهمية المعلومات المتعلقة بخلفية المرشح وبرنامجه في تشكيل بعض خيارات المشاركين.
تجربة سبقت الاستطلاع بسنوات
لم يبدأ حضور بشار مصري في المجال الاقتصادي والاجتماعي مع استطلاع أكتوبر، فمنذ سنوات، ارتبط اسمه بمشروعات استثمارية ومبادرات حاولت التعامل مع تحديات فلسطينية تتجاوز حدود النشاط التجاري التقليدي.
في عام 2020، أطلق مبادرة “عالأرض.. فكرتك بتحمينا”، بهدف دعم أفكار ومشروعات تسهم في تعزيز قدرة الفلسطينيين على الصمود في أراضيهم المهددة بالاستيطان. وتقوم الفكرة على توظيف المبادرة والتمويل لدعم حلول عملية، بدلاً من الاكتفاء بوصف المشكلة أو التحذير من تداعياتها.
وفي غزة، برزت “مطابخ غزة العزة” بوصفها استجابة مباشرة للاحتياجات الإنسانية المتفاقمة، من خلال توفير الوجبات الساخنة للنازحين والعائلات المحتاجة. وفي واقع تتراجع فيه قدرة كثير من الأسر على تأمين الطعام، تصبح المبادرات التي تصل إلى الناس وتستجيب لحاجاتهم الأساسية جزءاً من الاستجابة اليومية لتداعيات الحرب.
من الإغاثة إلى الاقتصاد.. أين يلتقي المساران؟
لا يمكن لمطبخ خيري أن يعوّض اقتصاداً مدمراً، كما لا يستطيع مشروع استثماري أن يحل وحده أزمة إنسانية بحجم ما يواجهه قطاع غزة. فالإغاثة تستجيب للحاجة العاجلة، بينما يتطلب التعافي الاقتصادي فرص عمل، واستثمارات منتجة، وبنية تحتية، ومؤسسات قادرة على العمل، وسياسات تضمن توزيع الفرص والموارد بصورة عادلة.
ومع ذلك، يلتقي المساران عند حاجة الفلسطينيين إلى الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى استعادة القدرة على الحياة.
فالمساعدة الغذائية ضرورية لمن لا يجد ما يأكله اليوم، لكن التعافي يتطلب أيضاً فرصة عمل ومصدر دخل ومسكنًا وخدمات أساسية.
ومن هنا تبرز أهمية الخبرة الاقتصادية، لا بوصفها بديلاً عن الخبرة السياسية أو العمل الوطني، بل باعتبارها أحد العناصر المطلوبة في أي مشروع جاد للتعافي وإعادة الإعمار. فإدارة الموارد، وجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحويل الخطط إلى نتائج قابلة للقياس، كلها مسائل ستحدد جانباً من قدرة الفلسطينيين على تجاوز آثار الحرب.
وفي حالة بشارمصري، فإن الجمع بين تجربة الاستثمار والمبادرات ذات البعد الاجتماعي يفسر لماذا قد ينظر إليه بعض الفلسطينيين من زاوية مختلفة عن زاوية المرشحين الذين ارتبط حضورهم أساساً بالعمل الحزبي أو الرسمي.
لكن تقييم أي تجربة يبقى مرتبطاً بنتائجها، ومدى قدرتها على تلبية احتياجات الناس، لا بحجم الوعود أو حضور صاحبها في المجال العام.
بين التشكيك والقراءة النقدية
من الطبيعي أن تخضع أي شخصية يُطرح اسمها في المجال العام للنقاش والنقد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقيادة أو إدارة الشأن الفلسطيني. كما أن نتائج استطلاع الرأي لا تمثل تفويضاً سياسياً، ولا تحسم قدرة أي شخص على تحقيق ما يطرحه.
لكن القراءة النقدية لا تعني تجاهل الأرقام أو رفضها لمجرد أنها لا تنسجم مع موقف مسبق. فالاستطلاع يشير إلى أن نسبة معتبرة من المشاركين ترى في بشار المصري قدرة على إدارة التعافي الاقتصادي وتحسين المعيشة، كما يُظهر تغيراً في التأييد لقائمته ضمن تجربة عرض المعلومات عن خلفيته وبرنامجه.
هذه مؤشرات تستحق النقاش، لا المبالغة، وتفتح الباب أمام أسئلة أساسية: ما طبيعة البرنامج الاقتصادي المقترح؟ كيف يمكن تحويل الخبرة الاستثمارية إلى فرص عمل واسعة؟ ما الضمانات المتعلقة بالشفافية والمساءلة؟ وكيف يمكن أن تتكامل المبادرات الاقتصادية مع الأولويات الوطنية واحتياجات المجتمع؟
طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من التجارب القائمة، بل يضعها أمام معيار واضح: ما الذي يمكن أن تقدمه للناس، وما الذي يمكن قياسه من نتائجها؟
الصمود ليس بديلاً عن التحرر
لا يمكن اختزال المزاج الفلسطيني في سؤال اقتصادي واحد، كما لا يمكن فصل السياسة عن حياة الناس اليومية. فالفلسطيني الذي يتمسك بأرضه يحتاج إلى الحماية والحرية والحقوق الوطنية، لكنه يحتاج أيضاً إلى عمل ومسكن وتعليم وصحة ودخل يتيح له الاستمرار.
وتشير نتائج استطلاع أكتوبر إلى أن القدرة الاقتصادية أصبحت عنصراً حاضراً في تقييم بعض الخيارات المطروحة أمام الفلسطينيين.
وبين تجربة الاستثمار ومبادرات الإغاثة، يتيح حضور بشار مصري نقاشاً حول دور الخبرة الاقتصادية في مواجهة الأزمات، وما يمكن أن تقدمه هذه الخبرة في مرحلة التعافي.
فالناس لا يحتاجون إلى الاختيار بين من يتحدث عن الحقوق الوطنية ومن يتحدث عن تحسين ظروف المعيشة؛ بل يحتاجون إلى مشروع يحمي حقوقهم، ويعزز قدرتهم على البقاء، ويوفر لهم شروط حياة كريمة، كمشروع روابي كأول مدينة نموجية وفرت الآف فرص العمل وأوقفت تممد مستوطنة قريبة.
وفي مجتمع أنهكته الحرب والأزمات، لن تُقاس قيمة أي تجربة بما تقوله عن نفسها، بل بما تستطيع أن تحققه على الأرض.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي نبأ الإخبارية.
