بقلم الإعلامية أسيل مليحات – مسؤولة الإعلام في منظمة البيدر الحقوقية

القدس – نبأ الإخبارية : في تجمع جبل البابا شرق القدس، لا تقتصر معاناة السكان على نقص الخدمات الأساسية وغياب البنية التحتية، بل تمتد لتشمل مخاطر الحرب، وقسوة الظروف المناخية، ومخاوف التهجير، في واقع يومي يفرض على عشرات العائلات الفلسطينية معركة متواصلة من أجل البقاء والصمود في أرضها.

يقع التجمع على تلة تطل على مدينة القدس والبحر الميت، وتبلغ مساحته نحو 36 ألف متر مربع. وتعود تسمية التجمع إلى عام 1964، حين أهدى الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال هذه الأرض إلى البابا بولس السادس خلال زيارته للمنطقة.

ويقطن التجمع نحو 450 إلى 480 شخصًا من أبناء قبيلة عرب الجهالين، الذين تعود أصولهم إلى منطقة بئر السبع، قبل تهجيرهم عام 1948.

وتعتمد العائلات في معيشتها على تربية المواشي والأغنام، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، حيث يعيش كثير من السكان في خيام ومساكن من الصفيح والبركسات، وسط نقص واضح في الخدمات الصحية والأساسية، وغياب بنية تحتية قادرة على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

وخلال زيارتي الميدانية إلى التجمع، والاستماع إلى شهادات السكان، برزت مخاوف الأهالي على حياتهم وحياة أطفالهم، خصوصًا بعد تعرض المنطقة لسقوط شظايا خلال الحرب، في مشاهد تركت آثارها النفسية على العائلات، التي وجدت نفسها أمام مخاطر تهدد سلامتها حتى داخل أماكن سكنها.

وروت إحدى النساء أنها اضطرت إلى الاحتماء داخل مغارة برفقة أطفالها، خوفًا من الشظايا المتساقطة، في لحظات عاشتها الأسرة وسط القلق والترقب، دون توفر أماكن آمنة يمكن اللجوء إليها.

وفي شهادة أخرى تعكس خطورة ما عاشه السكان، قالت إحدى النساء إن شظية سقطت في المكان الذي كان يجلس فيه شقيقها على الأريكة، بعد أن غادر مقعده بلحظات، في حادثة جسّدت حجم الخطر الذي يمكن أن يواجه أفراد العائلة داخل مساكنهم المتواضعة.

وتكشف هذه الشهادات عن واقع يفتقر فيه السكان إلى وسائل الحماية والملاجئ الآمنة، الأمر الذي يضاعف مخاوفهم في ظل استمرار التحديات الأمنية والمعيشية.

ولا تتوقف معاناة سكان تجمع جبل البابا شرق القدس عند المخاطر المرتبطة بالحرب، إذ تفرض الظروف المناخية القاسية تحديات إضافية على حياتهم اليومية، في ظل غياب البنية التحتية الملائمة وضعف الإمكانات المتاحة للأسر.

وأفادت إحدى النساء بأن فصل الصيف يحمل معه مخاطر انتشار الأفاعي والحشرات اللاسعة، ما يشكل تهديدًا إضافيًا، خصوصًا على الأطفال، في ظل صعوبة توفير وسائل الحماية المناسبة داخل التجمع.

أما في فصل الشتاء، فتتحول الأمطار إلى مصدر معاناة متكررة، إذ تتسرب المياه إلى الخيام والبركسات بسبب ضعف التجهيزات وغياب البنية التحتية المناسبة، لتجد العائلات نفسها أمام ظروف معيشية قاسية، تحرمها من الشعور بالأمان والاستقرار داخل مساكنها.

وتزداد هذه المعاناة في ظل محدودية الخدمات الصحية وصعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية، ما يجعل توفير بنية تحتية مناسبة وخدمات طبية وحماية للسكان ضرورة ملحّة، وليست مجرد مطالب مؤجلة.

وفي مواجهة هذه الظروف، يحاول سكان التجمع إيجاد مصادر دخل تساعدهم على تأمين احتياجات أسرهم، رغم محدودية الموارد وصعوبة الواقع الاقتصادي.

ويعمل عطا الله مزارعة، مسؤول التجمع ومدير اللجنة المركزية فيه، على نقل معاناة السكان وإيصال صوتهم إلى المحافل الدولية ووسائل الإعلام الخارجية، بهدف تسليط الضوء على احتياجاتهم وتعزيز حضور قضيتهم في النقاشات الحقوقية والإنسانية.

وأكد مزارعة، بحسب إفادته خلال الزيارة، أهمية العمل من أجل تعزيز صمود الأهالي، مشيرًا إلى الجهود المبذولة لإطلاق مشاريع صغيرة تساعد الأسر على توفير مصدر دخل، وتمنحها قدرة أكبر على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة.

ومن بين هذه المبادرات، مشروع صغير تشارك فيه إحدى النساء إلى جانب خمس نساء أخريات، في محاولة لتوفير دخل يساعدهن على إعالة أسرهن، في نموذج يعكس إرادة السكان في الاعتماد على قدراتهم، رغم قلة الإمكانات وغياب الدعم الكافي.

وتؤكد هذه المبادرات أن تمكين النساء اقتصاديًا ودعم المشاريع الصغيرة يمكن أن يشكلا جزءًا مهمًا من الاستجابة لاحتياجات التجمع، إلى جانب ضرورة توفير الخدمات الأساسية والبنية التحتية والحماية.

وتتجاوز أهمية تجمع جبل البابا شرق القدس حدود المعاناة المعيشية، نظرًا إلى موقعه الجغرافي في المنطقة الواقعة شرق القدس، بالقرب من العيزرية، وفي محيط المنطقة التي يشملها مخطط التوسع الاستيطاني المعروف باسم «E1».

ويهدف المخطط، وفق ما يُتداول في التقارير المتعلقة بالاستيطان، إلى توسيع نطاق البناء الاستيطاني وربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس، وهو ما يحذر منتقدوه من تداعياته على التواصل الجغرافي الفلسطيني وإمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة الأراضي.

وفي هذا السياق، يواجه التجمع مخاوف مرتبطة بالتهجير وأوامر الهدم والقيود المفروضة على البناء، وسط مطالبات حقوقية بتوفير الحماية للسكان وضمان حقهم في السكن والحياة الآمنة.

وتزيد هذه المخاوف من حالة عدم الاستقرار التي تعيشها العائلات، التي تحاول التمسك بأرضها ومواصلة حياتها اليومية، رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمخاطر المحيطة بها.

اقرأ أيضاً:

إن واقع التجمع يسلط الضوء على احتياجات إنسانية أساسية لا تحتمل التأجيل، في مقدمتها توفير الخدمات الصحية، وتحسين البنية التحتية، وتأهيل المساكن لحمايتها من مياه الأمطار، وتعزيز إجراءات السلامة، ودعم المشاريع الاقتصادية الصغيرة، ولا سيما المبادرات التي تقودها النساء.

كما تبرز الحاجة إلى متابعة أوضاع التجمع على المستويين الحقوقي والإعلامي، ونقل شهادات السكان إلى الجهات المعنية، والعمل على ضمان وصول المساعدات والخدمات الضرورية إليهم، مع الاهتمام بحماية الأطفال والنساء والفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

ففي جبل البابا، لا تتحدث العائلات عن مطالب ترفيهية أو امتيازات إضافية، بل عن احتياجات تمس تفاصيل حياتها اليومية؛ مأوى يحميها من المطر، وبيئة آمنة تحمي أطفالها من المخاطر، وخدمات صحية أساسية، ومصدر دخل يساعدها على مواجهة الفقر.

وبين شظايا الحرب التي دفعت بعض العائلات إلى الاحتماء بالمغارات، وأمطار الشتاء التي تتسلل إلى الخيام والبركسات، وأخطار الصيف التي تحاصر السكان، تستمر العائلات في البحث عن الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.

إن نقل صوت جبل البابا إلى العالم يبدأ بالاستماع إلى سكانه، وتوثيق شهاداتهم، وتسليط الضوء على احتياجاتهم، وصولًا إلى تحرك جاد يضمن لهم الحماية والخدمات الأساسية والحق في العيش بكرامة وأمان.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي نبأ الإخبارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *