توليد صورة عبر الذكاء الاصطناعي يستهلك أكثر من توليد ألف نص (شترستوك)توليد صورة عبر الذكاء الاصطناعي يستهلك أكثر من توليد ألف نص (شترستوك)

نبأ الإخبارية : امتدت آثار موجة الحر القياسية الأخيرة في قارة أوروبا إلى قطاعات حيوية متعددة. حيث اضطرت دول أوروبية عدة لإغلاق مفاعلاتها النووية بغرض تبريدها والتخلي مؤقتاً عن مصادر طاقتها النظيفة. وفي الوقت ذاته، رصدت الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة “ناسا” الأمريكية ظهور بقع ساخنة جديدة مرتفعة الحرارة. إذ أكدت دراسة علمية حديثة أن المتهم الأول خلف هذه الظاهرة هو مراكز البيانات التابعة لشركات تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تعتبر هذه المواجهة الأولى التي تثير فيها الأنماط البيئية للابتكارات الرقمية جدلاً واسعاً حول العالم. لكننا نواجه اليوم وجهاً جديداً للأزمة يتجاوز الحديث التقليدي عن كلفة التبريد وحجم استهلاك الطاقة. فالأبحاث الحالية تظهر خطراً مباشراً يتمثل في رفع درجة حرارة الأراضي المحيطة بالمراكز التقنية. مما دفع علماء جامعة كامبريدج لتوصيف هذه المعضلة البيئية بمصطلح “الجزر الحرارية الرقمية”.

مراكز البيانات الضخمة تضم 5 آلاف خادم في العادة على مساحة تصل إلى 930 متر مربع  (رويترز)
مراكز البيانات الضخمة تضم 5 آلاف خادم في العادة على مساحة تصل إلى 930 متر مربع (رويترز)

واستندت الدراسة الصادرة في أبريل 2026 إلى بيانات الأقمار الاصطناعية لتقييم حرارة سطح الأرض بين عامي 2004 و2024. وقارن الباحثون تلك المؤشرات بمواقع أكثر من 11 ألف مركز بيانات حول العالم. وجرى التركيز بشكل خاص على 6733 مركزاً شُيدت خارج النطاقات السكنية المكتظة. حيث ثبت أن حرارة السطح ترتفع بمعدل يتراوح بين 0.3 و9.1 درجة مئوية فور افتتاح هذه المقرات مباشرة.

ويمتد هذا الأثر الحراري الملموس لمسافة تصل إلى عشرة كيلومترات محيطة بموقع البناء الخرساني. الأمر الذي يضع أكثر من 340 مليون شخص يقطنون تلك التجمعات تحت تهديد حراري مباشر. وتطلق تلك المنشآت غازات دفيئة مقلقة تسهم في تسريع وتيرة الاحترار العالمي. لتصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي مسؤولة عن رفع حرارة الجو والأرض معاً بشكل متزامن.

تتوقع الأمم المتحدة أن تصل المساحة المستغلة من قبل مراكز البيانات إلى أكثر من 14 ألف كيلومتر بنهاية العقد (رويترز)
تتوقع الأمم المتحدة أن تصل المساحة المستغلة من قبل مراكز البيانات إلى أكثر من 14 ألف كيلومتر بنهاية العقد (رويترز)

ويتطلب فهم المعضلة تفكيك طريقة عمل الخوادم وتفاعلها اليومي مع المستخدمين. فإرسال أي سؤال لنموذج الذكاء الاصطناعي يستدعي فوراً مئات وآلاف الخوادم داخل مراكز البيانات لتقديم الإجابة. ويتسبب الحجم المهول للمستخدمين الذين يرسلون 2.5 مليار أمر يومياً في إحداث أثر بيئي جمعي مدمر. وتعمل هذه المراكز طوال الوقت دون توقف لتغطية مختلف المناطق الزمنية.

وتضم هذه المنشآت الضخمة عادة نحو 5 آلاف خادم ممتدة على مساحة تصل لـ 930 متراً مربعاً. وتستهلك هذه الخوادم ما بين 100 و300 ميغاواط من الكهرباء، وهي طاقة تكفي لتشغيل آلاف البيوت السكنية. وتتحمل عمليات الاستخدام اليومي وحده مسؤولية 90% من إجمالي الطاقة المستهلكة مقارنة بمرحلة التدريب. فالأمر المخصص لتوليد صورة واحدة يستهلك طاقة تفوق ألف أمر نصي تقليدي.

الأمن المائي والحراري في مواجهة الطفرة الرقمية المستمرة: “تثبت التقارير الأممية المحدثة أن التوسع غير المنظم في نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي يفرض ضريبة باهظة على النظام البيئي العالمي. وحين يصف الأمين العام للأمم المتحدة هذه التقنية بأنها جائعة للأرض والمياه، فإنه ينبه لخطورة استنزاف الموارد الحيوية. ولذلك، فإن غياب أطر التبريد المستدامة يحول الابتكار الرقمي إلى محرك أساسي للاحترار العالمي وتدمير البنى التحتية”.

اقرأ أيضاً: آندي بيرنهام يستعرض رؤيته لرئاسة وزراء بريطانيا ويعد بنقل السلطة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: الذكاء الاصطناعي جائع للأرض والمياه والطاقة (الفرنسية)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: الذكاء الاصطناعي جائع للأرض والمياه والطاقة (الفرنسية)

وتتوقع تقارير الأمم المتحدة أن يوازي استهلاك هذه المراكز للمياه احتياجات 1.3 مليار شخص بنهاية العقد الجاري. وقد تتخطى المساحة الإجمالية للمراكز 14 ألفاً و500 كيلومتر مربع، وهو ضعف مساحة جاكرتا الكبرى. ولذلك، أطلق أنطونيو غوتيريش مبادرة في 23 يونيو لملء الفراغ التنظيمي وتحميل الشركات المسؤولية عن انبعاثاتها ومياهها المستهلكة. وتكمن المفارقة في أن 80% من هذه المراكز باتت عرضة للفيضانات والحرائق بسبب التغير المناخي ذاته.

ولمواجهة هذا التحدي، دعت الأمم المتحدة المطورين للبحث عن حلول مبتكرة كإعادة استخدام الحرارة المهدورة في التدفئة المحلية. وبدأت شركات كبرى تدرس مطلع هذا الشهر إمكانية بناء مراكز بياناتها في مناطق القطب الشمالي الباردة. ويتجه عمالقة التكنولوجيا نحو استغلال الطاقة النووية لتقليل الغازات الدفيئة وخفض سحب الكهرباء من الشبكات العامة. ويبقى السؤال مطروحاً حول مدى جدوى تحمل هذه المخاطر البيئية الهائلة مقابل رفاهية رقمية مؤقتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *