الروبوتات يمكن أن تقوم بالوظائف الروتينية المكررة (رويترز)الروبوتات يمكن أن تقوم بالوظائف الروتينية المكررة (رويترز)

نبأ الإخبارية: قدمت صحيفة “وول ستريت جورنال” رؤية ثلاثة من أبرز الاقتصاديين الأمريكيين حول تأثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل المستقبلي. وتأتي هذه القراءة في ظل التطور التقني المتسارع والمنافسة المحتدمة بين الشركات العالمية الكبرى.

وتجمع الرؤية ديفيد أوتور من معهد ماساتشوستس، وأنطون كورينيك من جامعة فرجينيا، ومارثا غيمبل من جامعة ييل. ويتفق هذا الثلاثي المتخصص في اقتصاد العمل على حتمية التغيير القادم، لكنهم يختلفون بشدة حول سرعته وحجم كلفته الإنسانية.

سباق بين الشركات الصينية والأمريكية على تطوير روبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي (غيتي)
سباق بين الشركات الصينية والأمريكية على تطوير روبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي (غيتي)

يتزامن تصاعد هذا النقاش مع ضخ استثمارات هائلة قد تدفع الشركات لتقليص العمالة تعويضاً لنفقاتها التكنولوجية. وأوضح بنك التسويات الدولية أن خمس شركات تكنولوجية كبرى خصصت تريليون دولار للاستثمار في هذا القطاع بين عامي 2025 و2026. وحذر البنك، عبر صحيفة “فايننشال تايمز”، من أن هذه النفقات المفرطة قد تنتهي بانهيار استثماري يضر بالأسواق المالية العالمية.

ويرى البروفيسور كورينيك أن هذه التكنولوجيا ستحدث تغييرات جذرية تشبه الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. ويتوقع تراجع الطلب على العمالة البشرية فور توفر أنظمة تؤدي الوظائف المعرفية والجسدية بكفاءة عالية. وبناءً على ذلك، يتوقع كورينيك هبوط حصة العمل من الدخل العالمي من 60% إلى ما دون 50% قريباً.

مراكز البيانات قد تخلق فرص عمل جديدة (رويترز)
مراكز البيانات قد تخلق فرص عمل جديدة (رويترز)

في المقابل، يبدو ديفيد أوتور أكثر تفاؤلاً بشأن النتائج المستقبلية لهذه الطفرة التقنية. ويرى أوتور أن التكنولوجيا ستعيد تشكيل الوظائف وتزيد الاعتماد على الخبرة، لكنها ستخلق قطاعات عمل جديدة تماماً. ويستدل على ذلك بظهور ربع مليون عالم بيانات في أمريكا بفضل الحواسب، وهي وظيفة لم تكن موجودة سابقاً.

من جهتها، تنبه مارثا غيمبل إلى وجود رغبة إنسانية ملحة في التواصل البشري يتجاهلها متحمسو وادي السيليكون. وتؤكد غيمبل أن وظائف البرمجة واضحة ومحددة، بخلاف الوظائف المعقدة في القطاعات الأخرى والتي لا يمكن تحويلها لنماذج رقمية. وتضرب مثلاً بمهنة رعاية الأطفال أو عزف الموسيقى، حيث يرفض المجتمع تركها للروبوتات حتى الآن.

يتفق الخبراء على أن وظائف الخدمات المكتبية البسيطة هي الأكثر عرضة للتراجع نتيجة تطور البرمجيات. وتشمل هذه القائمة موظفي مراكز الاتصال، ومجمعي البيانات في قطاعات المحاماة، والتمويل، والمحاسبة التقليدية. ويرى أوتور أن هذا التراجع سيلحق ضرراً كبيراً بالعاملين في الدول النامية، والذين يؤدون مهام إدارية لصالح الشركات الغربية بأجور منخفضة.

وعن تأثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الأسواق العربية، يوضح استشاري التسويق الرقمي المغربي حسن خرجوج أن المهام المتكررة هي أول ما يتعرض للأتمتة. ويشير خرجوج إلى أن خريجي الجامعات الذين يفتقرون للمهارات الرقمية سيكونون الأكثر عرضة للتهميش حالياً. ويرى أن التأثير المباشر سيكون أكبر في أمريكا لاعتماد اقتصادها على المعرفة الرقمية، بينما لا يزال الجزء الأكبر من سوق العمل العربي يعتمد على قطاعات تقليدية أو غير مهيكلة.

مراكز البيانات قد تخلق فرص عمل جديدة (رويترز)
مراكز البيانات قد تخلق فرص عمل جديدة (رويترز)

“يتطلب التعامل مع البرمجيات الذكية في المنطقة العربية الانتقال السريع من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج الفعلي. إن إنشاء مراكز البيانات لن يكون حلاً سحرياً دون وجود منظومة متكاملة تربط الجامعات بالبحث العلمي والصناعة. ويتطلب المسار الصحيح لتقليص المخاطر الميدانية العمل على ثلاثة مستويات أساسية. تبدأ هذه المستويات بإصلاح مناهج التعليم الجامعي، وتمر بإعادة تأهيل الموظفين الحاليين في الإدارات، وتنتهي بوضع إطار قانوني صارم يضمن الرقابة البشرية على القرارات الحساسة المتعلقة بالصحة، والتوظيف، والقروض البنكية”.

اقرأ أيضاً: اللواء أنور رجب: “المؤسسة الأمنية الفلسطينية” تواجه مخططات تصفية القضية وإثارة الفوضى بالضفة

وفي النهاية، يضع هذا التحول التكنولوجي الدول العربية أمام خيارين حاسمين في إدارة مواردها البشرية. فإما الاعتماد على التكنولوجيا كأداة مستوردة لتقليص النفقات، وهو ما سينتج عنه ضغط هائل على الأجور والوظائف، أو استغلالها كرافعة حقيقية لبناء اقتصاد رقمي محلي يرفع التنافسية العالمية للشباب العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *