نبأ الإخبارية: تعتبر الأسلحة البحرية أدوات حاسمة في النزاعات المسلحة لحماية السواحل والموانئ الحيوية. وفي ظل التطورات الراهنة، برزت الألغام البحرية كأكثر الوسائل الدفاعية والهجومية فاعلية لتدمير السفن السطحية والغواصات. يرجع ذلك أساساً إلى انخفاض تكلفة تصنيعها ونشرها مقارنة بالسفن الحربية الكبرى. وتتميز هذه المنظومات بقدرة فائقة على إعاقة الملاحة وفرض حصار بحري خانق. وتستطيع العبوات المتفجرة ذاتية الاحتواء تهديد خطوط التجارة والممرات المائية الاستراتيجية.
تزامناً مع ذلك، تمثل إزالة الفخاخ المائية تحدياً عملياتياً معقداً للغاية. وتتطلب عمليات كشفها وتحييدها معدات متخصصة وتقنيات متقدمة في الميدان. وبناءً على ذلك، تستغرق هذه المهام وقتاً طويلاً قد يمتد من أسابيع إلى أشهر. الأمر الذي يسمح لـ الألغام البحرية بالاحتفاظ بتأثيرها العسكري والاقتصادي لفترات ممتدة. وتستمر هذه الخطورة على أرض الواقع حتى بعد انتهاء العمليات القتالية المباشرة.

🔗 اقرأ أيضاً:
- قرار الكنيسة المشيخية الأميركية بشأن غزة اعتراف أخلاقي بالإبادة
- مستوطنون يقتحمون شمال نابلس ويهاجمون غرفة زراعية بين بلدتي أوصرين وبيتا
تتبع تاريخي لأبرز محطات الاستخدام
في إطار الجهود المبذولة لتوثيق الصراعات، بدأ الاعتماد على السلاح منذ أواخر القرن الثامن عشر. وتطورت التقنيات عبر العقود من وسائل بدائية تعتمد على البارود الكثيف. وعلى صعيد متصل، يعود أول استخدام معروف إلى عام 1777 أثناء الثورة الأمريكية. وصمم حينها طالب جامعة ييل، ديفيد بوشنيل، جهازاً متفجراً بتفويض من جورج واشنطن. واستهدفت المحاولة ضرب جزء من الأسطول البريطاني المتواجد في نهر ديلاوير.
ورغم عدم نجاح العملية في إغراق القطع البحرية، إلا أنها شكلت فكرة التدمير تحت الماء. ومن ناحية أخرى، شهدت الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) أول استخدام واسع وفعال لها. واعتمدت عليها القوات الكونفدرالية لتقييد سفن الاتحاد، ونجحت في إغراق عدد منها ميدانياً.
وفي وقت تشهد فيه القارة الأوروبية صراع الحرب العالمية الأولى، استخدمت لحصار الغواصات الألمانية. وبلغت الذروة لاحقاً في الحرب العالمية الثانية، عندما زرعت أمريكا 12 ألف لغم بالموانئ اليابانية. وأسفر ذلك عن تعطيل الملاحة التجارية بالكامل وإضعاف الاقتصاد الياباني وغرق مئات السفن.

وفي الإطار ذاته، برزت المنظومات مجدداً أثناء حرب الناقلات في ثمانينيات القرن العشرين. وتسببت العبوات العراقية والإيرانية في إصابة قطع أمريكية ودولية وعرقلة الشحن البحري لأسابيع.
وبالتزامن مع الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل ضد طهران في فبراير 2026، تصدرت الألغام البحرية المشهد. وتمكنت إيران عبر هذه الاستراتيجية من تعطيل نحو خُمس تجارة النفط العالمية. وشمل هذا التوقف قرابة نصف واردات الصين النفطية من المنطقة. وأدى ذلك إلى تعطل آلاف السفن داخل الخليج العربي واضطراب أسواق الطاقة.
تصنيف المنظومات والمعايير التقنية للتفعيل
ضمن سلسلة المعايير المعتمدة، تصنف الألغام البحرية وفق ثلاثة محاور رئيسية واضحة. وتشمل التوزيعات موقعها في الماء، وآلية تفجيرها، إلى جانب وسيلة النشر الميداني.
تتوزع الأسلحة بحسب الموقع إلى ثلاثة أنواع رئيسية متميزة في عمود المياه. ويتحرك النوع الأول، وهو اللغم العائم أو المنجرف، بحرية مع التيارات البحرية. وفي المقابل، يطفو اللغم المثبت تحت السطح برباط يتصل بثقل في القاع. بينما يستقر النوع الثالث، وهو اللغم القاعي، مباشرة في الأسفل لاستهداف الغواصات.
انسجاماً مع ذلك، تنقسم التكنولوجيا تلو الأخرى وفق آلية التفعيل والتحفيز المدمجة. وتعد ألغام التماس أقدم الأنواع، إذ تنفجر بمجرد اصطدام هيكل السفينة بها مباشرة. بينما تعتمد ألغام التأثير الحديثة على مستشعرات ذكية لكشف البصمة الصوتية والمغناطيسية للقطع. كذلك تضم المنظومات الألغام المحكومة التي تُفجر يدوياً بواسطة مشغل من محطة ساحلية.

أما من حيث وسيلة النشر، فيمكن زرعها بواسطة سفن السطح المتخصصة بالمنطقة. وتستطيع الغواصات إطلاقها أيضاً عبر أنابيب الطوربيد، أو تلقيها الطائرات الحربية جواً. وتضم الترسانات عائلة “كويك سترايك” الأمريكية المخصصة للمياه الضحلة ضد الأهداف السطحية وتحت السطحية. والى جانب ذلك، يبرز اللغم المحمول المنطلق من الغواصات “إس إل إم إم مارك 67”. وصمم هذا الطراز للعمل في المناطق المحصنة، وهو مزود بأنظمة لكشف الأهداف.
القدرات القتالية واستراتيجية منع الوصول
استجابةً لمتطلبات الردع، تحقق الألغام البحرية تأثيرات عسكرية واسعة بتكلفة مالية منخفضة. وتجمع التكنولوجيا بين سهولة النشر وصعوبة الاكتشاف، مع إطالة أمد الخطر بساحات العمليات. وتتمثل أبرز قدراتها في هندسة منع الوصول وحرمان الخصم من استخدام المناطق. وتستخدم بكثافة لحماية السواحل والموانئ والمنشآت الحيوية، وإعاقة عمليات الإنزال البحري.
بالتوازي مع ذلك، تعتمد الأنظمة المعاصرة على مستشعرات متطورة تلغي شرط التماس المباشر. ويمكن تفعيل الرأس الحربي برصد الضوضاء الصادرة عن المحركات أو تغيرات ضغط المياه. اللافت أن بعض النماذج توفر إمكانية برمجة دقيقة لاستهداف سفن محددة القيمة. وتتجاهل هذه الفخاخ القوارب الصغيرة الصديقة، بما يسهم في رفع دقة الإصابة العسكرية.
ويمكن زرع العبوات بواسطة الطائرات أو الغواصات أو السفن الحربية المتنوعة في البحر. وتستغل الجيوش أحياناً زوارق صغيرة أو سفناً تجارية معدلة لإتمام مهام النشر بنجاح. الأمر الذي يجعل استخدامها متاحاً في العمليات الدفاعية والهجومية على حد سواء بالمنطقة. بحسب البيانات، يبقى هذا السلاح خطراً خفياً يغير قواعد الاشتباك التقليدية بكفاءة عالية. ليبقى كابوس الأعماق الأداة الأقوى في حسم معارك المضائق المائية وشل الاقتصاد الدولي.
