وفد الحوثيين أثناء وصوله إلى طهران على متن الطائرة الإيرانية القادمة من مطار صنعاء (وكالة سبأ التابعة لحكومة الحوثيين)وفد الحوثيين أثناء وصوله إلى طهران على متن الطائرة الإيرانية القادمة من مطار صنعاء (وكالة سبأ التابعة لحكومة الحوثيين)

نبأ الإخبارية: شهدت الساحة اليمنية تصعيداً سياسياً وعسكرياً مفاجئاً بعد سنوات من الهدوء النسبي، إثر اختراق طائرة إيرانية للأجواء اليمنية وهبوطها في مطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) منذ سبتمبر 2014. هذا التطور غير المتوقع فجّر أزمة حادة لا تزال تداعياتها تتوالى وسط تهديدات عسكرية ودبلوماسية متبادلة بين الحكومة الشرعية والتحالف العربي بقيادة السعودية من جهة، وجماعة الحوثيين وحلفائهم في طهران من جهة أخرى، مما يهدد بتقويض حالة الاستقرار الهش المستمرة في البلاد منذ نحو أربع سنوات.

أكد وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، أن صبر الحكومة الشرعية قد نفد إزاء الاختراقات الإيرانية المتكررة للأجواء اليمنية، مشدداً على أن القوات المسلحة سترد على هذه الانتهاكات بكل الوسائل المتاحة والتصدي لأي طائرات معادية. وحمّل العقيلي طهران المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن انتهاك السيادة الوطنية، وجاء هذا الموقف تزامناً مع ترتيبات لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي مساء اليوم الاثنين بناءً على طلب رسمي من الحكومة اليمنية لمناقشة “الانتهاك الإيراني الصارخ للسيادة”.

وقبيل انعقاد الجلسة الأممية، وفي مسعى حكومي لحشد الدعم الدولي، عقد رئيس المجلس الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، لقاءين منفصلين في العاصمة المؤقتة مع سفير روسيا الاتحادية يفغيني كودروف، والقائم بأعمال سفارة الصين تشاو تشنغ، حيث ركزت المحادثات على التداعيات الخطيرة للخطوة الإيرانية.

رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي يحذر المجتمع الدولي خلال اللقاءات الدبلوماسية:

“إن أي محاولة إيرانية جديدة لتكرار هذا السلوك ستمثل تصعيداً خطيراً ورسالة متعمدة لاختبار مدى التزام المجتمع الدولي بإنفاذ قرارات مجلس الأمن. إن إدارة المجال الجوي والموافقة على الرحلات الدولية هي اختصاصات سيادية حصرية للدولة العضو في الأمم المتحدة، وأي تعامل مباشر مع جماعة مسلحة في هذه الاختصاصات لا يمثل تجاوزاً للحكومة فحسب، بل يفرغ القرارين 2140 و2216 من مضمونهما العملي ويؤسس لسابقة خطيرة عالمياً.”

بحسب تقرير استقصائي نشرته منصة “مسند” اليمنية المستقلة للتحقق من الأخبار، فإن الفريق الفني تتبع مسار الطائرة وتبين أنها تابعة لشركة “ماهان إير” الإيرانية، وقد انطلقت من مطار طهران الدولي صوب صنعاء في أول رحلة علنية ومباشرة منذ سنوات. ودخلت الطائرة الأجواء اليمنية في تمام الساعة 04:17 صباحاً، وتعمدت قطع إشارة التتبع الآلي أكثر من مرة خلال الرحلة. يذكر أن شركة “ماهان” تخضع لعقوبات أمريكية صارمة منذ عام 2011 بتهمة تقديم دعم لوجستي ونقل عتاد وعناصر تابعة للحرس الثوري الإيراني.

أما بشأن حمولة الطائرة، فقد كشف رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي خلال اجتماع موسع مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية، أن التقارير الاستخباراتية تفيد بأن الرحلة نقلت عناصر عسكرية وأمنية رفيعة المستوى، إلى جانب خبراء إيرانيين متخصصين في تطوير الطائرات المسيرة ومنظومات الصواريخ، بالإضافة إلى معدات وتقنيات إلكترونية مخصصة لمنظومات القيادة والسيطرة، وكوادر يمنية تلقت تدريبات أمنية مكثفة داخل إيران، مطالباً بفتح تحقيق دولي عاجل.

في المقابل، نفت جماعة الحوثي هذه الرواية جملة وتفصيلاً؛ حيث أعلن المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، أن الطائرة كانت إنسانية ونقلت أكثر من 200 مواطن من العالقين والجرحى والمرضى، لافتاً إلى أن الطائرة أقلت في رحلة عودتها إلى طهران وفداً رسمياً للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.

يتوعد الحوثيون باستمرار وتسيير الرحلات المباشرة بين طهران وصنعاء تحت شعار “كسر الحصار”، ويصرون على عودة الطائرة الإيرانية ذاتها لإعادة وفدهم الذي غادر إلى طهران. وفي تصريح لوزارة الخارجية في حكومة الحوثيين (غير المعترف بها)، جرى التأكيد على أن أي خطوة من السعودية أو الحكومة الشرعية لترسيخ ما وصفوه بـ”الحصار على مطار صنعاء” ستكون بمثابة رصاصة الرحمة الأخيرة على جهود خفض التصعيد ووقف إطلاق النار المتفق عليها.

في المقابل، لوّح المجلس الرئاسي اليمني باللجوء إلى كافة الخيارات السياسية والدبلوماسية والعسكرية التي يكفلها الدستور والقانون الدولي لمنع فرض أمر واقع خارج الأطر الشرعية. وعلى الصعيد الإقليمي، اتهم الحوثيون الطيران الحربي السعودي بمحاولة اعتراض الطائرة الإيرانية ومنعها من الهبوط، وهدد يحيى سريع باستهداف مطارات ومصالح حيوية في العمق السعودي إذا استمرت تلك الإجراءات.

وجاء الرد من التحالف العربي سريعاً وحاسماً على لسان المتحدث الرسمي باسمه، العميد تركي المالكي، الذي أكد أن قيادة التحالف سترد وتضرب بكل حزم وبقوة غير مسبوقة للتصدي لأي محاولات تستهدف أمن المملكة العربية السعودية ومواطنيها ومقدراتها الاقتصادية، أو أي مساس بسيادة الأراضي اليمنية.

دخلت طهران على خط الأزمة بشكل علني لدعم موقف الحوثيين؛ إذ صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن بلاده مستعدة لتوظيف كافة طاقاتها الدبلوماسية لرفع الحصار وتنفيذ خريطة الطريق في اليمن، وجاء ذلك خلال لقائه في طهران بالنائب العسكري لحكومة الحوثيين جلال الرويشان. كما استقبل القائم بأعمال رئيس حكومة الجماعة في صنعاء، محمد مفتاح، السفير الإيراني علي رضائي الذي جدد وقوف طهران الكامل مع خيارات صنعاء.

من ناحيتها، اعتبرت وزارة الإعلام اليمنية على لسان الوزير معمر الإرياني، أن الإصرار الإيراني على إنشاء جسر جوي مباشر يمثل تحولاً نمطياً خطيراً يمنح طهران قدرة أعلى على الإمداد العسكري السريع والمنتظم للمليشيا. وتأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه مطار صنعاء الدولي من شلل في رحلاته التجارية منذ نهاية مايو 2025 عقب تدمير طائرات الخطوط الجوية اليمنية الأربع نتيجة الغارات الجوية واحتجاز الحوثيين للطواقم، وتبادل الاتهامات بين وزارة النقل اليمنية والجماعة حول المسؤولية عن تدمير الناقل الوطني.

عراقجي خلال لقائه الرويشان في طهران (وكالة الأنباء الإيرانية إرنا)
عراقجي خلال لقائه الرويشان في طهران (وكالة الأنباء الإيرانية إرنا)

وفي محاولة لإنهاء الانسداد السياسي، أعلن الرئيس رشاد العليمي عن تقديم الحكومة الشرعية لمبادرة واضحة تتضمن:

  • تسيير الرحلات الجوية عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية (الناقل الوطني) إلى أي وجهة يتم الاتفاق عليها دولياً.
  • تقديم ضمانات كاملة لتأمين الرحلات والطواقم الملاحية لضمان سلامة المسافرين.
  • النظر في إمكانية استئجار طائرة خاصة لنقل عناصر وفد الحوثيين من طهران إلى صنعاء وفق الأطر القانونية المعمول بها دولياً.

وأشار العليمي إلى أن الرفض الحوثي الفوري لهذه المبادرة أثبت بوضوح أن القضية ليست إنسانية أو متعلقة بملف المرضى والعالقين كما تزعم الجماعة، بل هي محاولة سياسية لإحلال الطيران الإيراني كبديل رسمي عن الناقل الوطني اليمني، وهو أمر أكد أن الدولة لن تقبل به مطلقاً.

يرتبط هذا التصعيد العسكري المحموم بالتعثر الكبير الذي يواجه الجهود الدبلوماسية الأممية الرامية لحل الصراع المستمر في اليمن منذ 12 عاماً. ورغم الإعلان المتفائل للمبعوث الأممي هانس غروندبرغ في 23 ديسمبر 2023 بشأن التزام الأطراف بحزمة تدابير وصياغة “خريطة طريق” تشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار وتحسين الوضع المعيشي، إلا أن هذه التفاهمات ظلت حبراً على ورق وسط تبادل مستمر للاتهامات بالعرقلة.

ومع إعلان الحوثيين مؤخراً “النفير العام” وتحشيد المقاتلين على جبهات مأرب والحديدة وتعز تحت شعار السيطرة الكاملة، عاد المشهد إلى مربع التوتر العسكري المباشر. وتزامن ذلك مع تسجيل مواجهات ميدانية عنيفة أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا، فضلاً عن تعثر تنفيذ صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين الشاملة التي كان من المقرر انطلاقها السبت الماضي، مما يضع مستقبل السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة وقاتمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *