رثاء رسمي وإعلامي واسع لصقر الحزب الجمهوري، ومخاوف من تبدد عصر التوافق الأمريكي العابر للأحزاب
نبأ الإخبارية: لم يمثل رحيل السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام غياباً لسياسي أمريكي تقليدي فحسب. وعكس حزن الصحافة العبرية شعوراً عميقاً بطي صفحة زمنية كاملة. وكانت تل أبيب تضمن في تلك الحقبة نفوذاً مطلقاً داخل واشنطن. مات غراهام الحليف المقرب من دونالد ترمب عن عمر ناهز 71 عاماً.
ووصف كُتّاب ومحللون في إسرائيل السيناتور الراحل بأنه “الدرع الحديدي” للدولة العبرية. كما اعتبروه “الجدار المحصن” في مجلس الشيوخ الأمريكي. ولا يرتبط هذا الحزن الجارف بالخسارة الحزبية فقط. بل يعبر عن الخشية من فراغ استراتيجي كبير. ويتزامن هذا الفراغ مع صعود تيارات جديدة وأكثر فتوراً داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

رثاء متخم بالرموز في “يسرائيل هيوم”
واستهل المحلل أرئيل كهانا مقاله في صحيفة “يسرائيل هيوم” بحديث عن الراحل. وقال كهانا إن غراهام كرّس حياته العامة لمحاربة إيران وروسيا. واعتبر الكاتب موت السيناتور بمثابة “خبر سار لأشرار العالم”. وأوضح أن غراهام تميز بجعل الدعم الإسرائيلي “رسالة حياة” جوهرية لم يتخلَّ عنها يوماً.

وبلغت لغة الرثاء ذروتها بوصف غراهام بأنه “أشرس صقر” ضد طهران. ووصفه الكاتب بـ”النسر” الذي وفرت أجنحته حماية سياسية وتشريعية واسعة لتل أبيب. وتأتي هذه المكانة نظراً لثباته كجدار محصن في السنوات الأخيرة. وظل غراهام واقفاً في وجه تيارات اليمين واليسار الأمريكي الجديد.
وتنقل الصحيفة عن غراهام قوله في آخر مقابلة صحفية له:
“ليس للولايات المتحدة صديق أفضل في العالم من إسرائيل. إنها جزيرة ديمقراطية في محيط من المشكلات. كما أن عمل الموساد والشاباك والجيش الإسرائيلي، بالتعاون مع أجهزتنا، يجعل الولايات المتحدة أكثر أمناً.”
سيرة الصقر ومحطات التحول البراغماتي
من جهتها، استعرضت صحيفة “يديعوت أحرونوت” محطات من سيرة السيناتور الراحل ونشأته. ونشأ غراهام في عائلة عاملة ببلدة سنتر في ولاية ساوث كارولاينا. وتولى غراهام رعاية شقيقته الصغرى عقب وفاة والديه مبكراً. ورافقت هذه التجربة الصعبة التحاقه بالخدمة العسكرية. وعمل غراهام ضابطاً قانونياً في سلاح الجو الأمريكي والحرس الوطني. كما أدى مهاماً عسكرية كمحامٍ في العراق وأفغانستان قبل تقاعده برتبة عقيد عام 2015.
وعلى الصعيد السياسي، أظهر غراهام براغماتية شديدة قادته إلى التحالف مع دونالد ترمب. وأصبح غراهام أحد أقرب حلفاء الرئيس في مجلس الشيوخ. واستغل هذا القرب بذكاء للدفع بسياسة خارجية متشددة وداعمة للمطالب الإسرائيلية بشكل دائم.

حقبة تتبدد ومواقف جدلية حول غزة وفلسطين
بدورها، اعتبرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أن غراهام يمثل نموذجاً لعصر آخذ في الانقضاء. وتميز ذلك العصر بوجود توافق عابر للحزبين حول قضايا الدعم المطلق. وذكرت الصحيفة أن غراهام قاد بنفسه أحد آخر مشاهد التضامن الحزبي بعد أحداث أكتوبر. ونظم غراهام زيارة لوفد مشترك ضم 10% من أعضاء مجلس الشيوخ إلى تل أبيب.
ودعم السيناتور بقوة المساعدات المالية والعسكرية وتبنى خطاً هجومياً شرساً. ودعم غراهام حرب غزة عام 2014 وعقب أحداث أكتوبر. وأثار غراهام جدلاً واسعاً بدعوته لهزيمة حماس بـ”كل الوسائل اللازمة”. وطالب السيناتور في سياق حديثه عن القطاع بـ”تسوية المكان بالأرض”.
ورغم هذا الدعم العلني، كشف أرئيل كهانا جوانب أخرى من مواقف غراهام. وكان السيناتور يرى في أحاديثه المغلقة أن سياسات بنيامين نتنياهو تجاه الفلسطينيين كانت خاطئة. وظل غراهام مقتنعاً بضرورة العمل على إقامة دولة فلسطينية. لكنه آثر إبقاء هذه الخلافات بعيداً عن وسائل الإعلام لتجنب الإضرار بالعلاقات الثنائية.

اقرأ أيضاً:
- بتمويل رسمي.. وزارة الأمن القومي تحول ملايين الشواكل لمنظمة استيطانية معاقبة دولياً بالضفة المحتلة
- بيان ناري من الجولان.. أهالي قرية حضر يحذرون من اقتحامات الاحتلال ومصادرة أسلحتهم الفردية
حامي الجناح الجمهوري اليهودي
من ناحية أخرى، شكل غراهام في سنواته الأخيرة صمام أمان للمجموعات اليهودية داخل الحزب الجمهوري. وكان يسعى دائماً لمواجهة صعود تيارات اليمين المتطرف. وتوعد السيناتور بمعاقبة أي أصوات مناهضة لتل أبيب داخل صفوف حزبه بالهزيمة السياسية.
وفي ختام المشهد، لخص رئيس ديوان نتنياهو السابق، آري هارو، في “جيروزاليم بوست” هذه العلاقة الاستثنائية. واستعاد هارو موقف غراهام خلال مباحثات الملف الإيراني عام 2014. ليبقى رحيل ليندسي غراهام بمثابة إنذار حقيقي للنخبة السياسية الإسرائيلية حول مستقبل التحالف الإستراتيجي مع واشنطن، وسط عالم متغير تتبدل فيه الولاءات الحزبية بسرعة.
