في السياسة الدولية، لا تُقاس اللحظات الفاصلة بضجيجها، بل بما تكشفه من تحوّل عميق في منطق القوة ومسوغاتها وتجلياتها . وما يُقال عن فنزويلا اليوم، بصرف النظر عمّا ستثبته الأيام من تفاصيل دقيقة، ليس حادثًا أمنيًا طارئًا، بل علامة على عودة نمط قديم في إدارة النفوذ الأميركي، بوسائل جديدة، وبجرأة أقلّ اكتراثًا بالأقنعة.

حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ عملية خاصة طالت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، قُدِّم الحدث، في لغته وتبريره، لا كعمل عسكري ولا كتغيير نظام، بل كفعل “عدالة”. هذه اللغة ليست تفصيلًا عابرًا، بل مفتاح الفهم. فواشنطن لم تعد تناقش “شرعية الانتخابات ” هناك ولا طبيعة النظام ولا توازناته الداخلية، بل نقلت الصراع من ميدان السياسة إلى ميدان الجنائية. الرئيس، في هذا الإطار، لا يُواجَه كرئيس، بل كمطلوب. ومع هذا التحويل تسقط فكرة الحصانة تلقائيًا، وتتحوّل السيادة من حقّ سياسي إلى عائق إجرائي، ويصبح ما تعذّر سياسيًا ممكنًا أمنيًا.

هذا الأسلوب ليس طارئًا على التاريخ الأميركي، ولا مستحدثًا في علاقته بأميركا اللاتينية. فمنذ ترسّخ فكرة المجال الحيوي في نصف الكرة الغربي، تعاملت الولايات المتحدة مع دول المنطقة بوصفها ساحات اختبار للتدخل غير المباشر حينًا، والمباشر حينًا آخر. تجربة فيديل كاسترو في كوبا شكّلت الصدمة الأعمق في الوعي الأميركي: ليس لأن كاسترو هدّد واشنطن عسكريًا، بل لأنه أثبت أن التمرّد على النموذج الاميركي ممكن في قلب الكاريبي. ومنذ ذلك الحين، أُدير الصراع معه بالحصار، وبمحاولات الاغتيال، وبالعزل الطويل. الدرس الذي استقرّ في العقل الأميركي كان بسيطًا وقاسيًا: ترك الخصوم يتحوّلون إلى رموز أخطر من إسقاطهم مبكرًا.

من تشيلي إلى نيكاراغوا، ومن غواتيمالا إلى بنما، تكرّر النموذج ذاته بأشكال مختلفة. حين يتقاطع مشروع سيادي مع مصالح واشنطن، تُستدعى أدوات “التصحيح”: انقلاب، حصار، حرب بالوكالة، أو—كما في بنما—تحويل رئيس دولة إلى “مجرم مخدرات” يُعتقل ويُحاكَم. الجديد اليوم ليس جوهر الفعل، بل وضوحه وسرعته، والتخلّي النسبي عن الخطاب الأيديولوجي القديم لصالح خطاب أمني–جنائي أكثر قابلية للتسويق وأسرع أثرًا.

في هذا السياق، لا تُقرأ فنزويلا باعتبارها حالة معزولة، بل كحلقة في سلسلة طويلة. دولة نفطية ذات خطاب سيادي تصادمي، تحالفات مع خصوم واشنطن، واقتصاد مُنهَك بالعقوبات. التاريخ يقول إن مثل هذا التراكم لا يُترك طويلًا ليستهلك نفسه وحده. وما تغيّر اليوم هو أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بسياسة التآكل البطيء، بل باتت تُلوّح—وربما تُجرّب—سياسة القطع المفاجئ، حيث تُصاغ الرسالة في لحظة واحدة، وتُقاس قيمتها بصدّاها لا باستدامتها، وكأن دروس الحروب البعيدة التي انتهت بانسحابات مُربِكة، أو دولٍ أُسقِطت أنظمتها وبقيت دولها معلّقة، لم تُستوعَب إلا جزئيًا.

وهنا تتجاوز الرسالة حدود كاراكاس. فالإشارة إلى إيران لا تأتي فقط من كونها حليفًا سياسيًا واقتصاديًا لفنزويلا، بل من تزامن اللحظة مع وضع داخلي إيراني شديد الحساسية: احتجاجات، ضغوط اقتصادية، وتوتّر اجتماعي يُقرأ في عواصم القرار كبيئة إغراء لسلوك صادم. في مثل هذه البيئات، يظهر تساؤل لا يُقال علنًا لكنه حاضر في الكواليس: هل يكون ما جرى في فنزويلا اختبارًا ذهنيًا لفكرة أوسع، وربما محل نقاش بين دونالد ترامب بنيامين نتنياهو ،يقوم على إعادة تعريف الهدف في أي مواجهة مقبلة مع إيران؟ ليس ضرب منشآت أو تعديل سلوك، بل السعي إلى إنهاء النظام سريعًا عبر تقديمه ك“معطِّل إقليمي” لإنتاج الاستقرار، على افتراض أن إزالة العقدة تفتح الباب—نظريًا—أمام تسويات أمنية وسياسية أوسع.

هذا المنطق بالغ الخطورة، لا لأنه طموح فحسب، بل لأنه يفترض أن سقوط الرأس يُنتج انتظام الجسد، وأن الصدمة الخارجية تُسرّع التفكك بدل أن تُنتج التماسك. والتاريخ القريب، من فيتنام إلى العراق وليبيا،يهمس بعكس ذلك: الأنظمة قد تسقط بالقوة، لكن المجتمعات لا تُعاد هندستها بالسرعة ذاتها، وغالبًا ما تخرج الفوضى من تحت الركام أسرع من أي استقرار مُتخيَّل. ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذا التفكير يكشف أن سقف الحسابات تغيّر: لم يعد الردع غاية نهائية، بل مرحلة ضمن مسار قد ينتهي بالتغيير.

داخليًا، ينسجم هذا السلوك مع عقلية إدارة تريد نتائج سريعة وقابلة للإعلان كانجازات . ترامب لا يتصرّف كمهندس نظام دولي طويل النفس، بل كمنفّذ صفقات حادّة. لا يسأل كثيرًا عمّا بعد الضربة، بل عمّا إذا وصلت الرسالة. وفي عالم ترامب تحديدًا، يصبح مجلس الأمن قاعة انتظار باردة، وتتحوّل الأمم المتحدة إلى دفتر ملاحظات يُراجَع بعد انتهاء العملية، لا هيئة تُستأذَن قبلها.

قد تتبدّل الروايات، وقد تنكشف تفاصيل تُعدّل المشهد، لكن ما لا يمكن التراجع عنه هو تحوّل سقف التفكير. أن يُطرح—ولو نظريًا—اختطاف رئيس دولة تحت عنوان “محاربة الجريمة” كخيار قابل للنقاش، فهذا يعني أن العالم دخل مرحلة تُكتب فيها السياسة بالقوة، ويُستدعى القانون بوصفه شرحًا لاحقًا لا قيدًا سابقًا. وفنزويلا، في هذه اللحظة، ليست القصة بحد ذاتها، بل العنوان الكبير لعودة منطق قديم بثقة جديدة، في عالم أكثر هشاشة مما كان عليه زمن كاسترو، حيث تُختَبَر القواعد في مكان، فإذا لم تُواجَه بكلفة، يصبح اختبارها في مكان آخر احتمالًا لا مغامرة. الولايات المتحدة تقوم بذلك ببساطة لانها تستطيع و يعجز العالم على حدجها بنظرة استياء فما بالك بمساءلتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *