استطلاعات الرأي تكشف عزوف ربع الديمقراطيين عن الاحتفال.. ومقاطعة باكس تختزل الصراع الثقافي
نبأ الإخبارية : تستعد الولايات المتحدة للاحتفال بالذكرى الـ 250 لإعلان استقلالها عن بريطانيا العظمى في الرابع من يوليو المقبل. وتشكل الانقسامات السياسية التي ميزت عهد الرئيس دونالد ترمب اختباراً حقيقياً لتقاليد صيفية اعتاد فيها الشعب على الوحدة. فالأجواء العامة المشحونة حزيباً باتت تؤثر بشكل مباشر على طقوس الألعاب النارية والمسيرات ونشر الزينة الحمراء والبيضاء.
وتظهر بصمات ترمب واضحة على الفعاليات الرسمية خلال ولايته الثانية الحالية. إذ تتسم فترته الرئاسية بسياسات حادة ومثيرة للجدل في ملفات الهجرة والاقتصاد والسياسة الخارجية. الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من الأمريكيين تجد صعوبة بالغة في الفصل بين المواقف السياسية وأجواء الاحتفالات العامة. ووصفت بيفرلي جيج المؤرخة بجامعة ييل الوضع بأن فكرة الاحتفال بذاتها تحولت إلى مسألة مسيسة وحزبية وسط تشاؤم شعبي واسع.

استطلاعات الرأي تعكس الشروخ الاجتماعية العميقة داخل المجتمع
وأظهر استطلاع رأي أجرته وكالة رويترز بالتعاون مع معهد إبسوس أن واحداً من كل خمسة أمريكيين لن يشارك في تخليد يوم الاستقلال هذا العام. وشملت هذه النسبة ربع المنتمين للحزب الديمقراطي ونحو 8% من حلفاء الحزب الجمهوري. ولا يعتقد اثنان من كل خمسة مستطلعين أن بلادهم ستستمر كدولة موحدة لـ 250 عاماً أخرى. وتتجسد هذه المواقف بوضوح في مشاعر المعلمة المتقاعدة بتسي هالسي البالغة من العمر 63 عاماً.
وترفض هالسي الاحتفال باليوبيل الربع مئوي لتأسيس أمريكا بسبب استيائها الشديد من توجهات الإدارة الحالية. وتقطن المعلمة في دويلزتاون بولاية بنسلفانيا وتصوت عادة لصالح الديمقراطيين. حيث تؤكد عدم رغبتها في تقاسم الفرحة مع أشخاص يشعرون بالحماس للوجهة السياسية التي تسير نحوها البلاد. ويمثل موقفها امتداداً لحالة الإحباط العام التي تسود القواعد الحزبية المعارضة لسياسات البيت الأبيض.

مقاطعة باكس كنموذج مصغر للصراع الثقافي والحزبي بـ بنسلفانيا
وفي المقابل يستعد الجمهوري دان مارازو البالغ من العمر 70 عاماً للاحتفال متبنياً نظرة مغايرة تماماً. إذ يرى مارازو أن الولايات المتحدة تزدهر اقتصادياً في عهد ترمب ويخطط لإقامة مأدبة طعام لعائلته وأصدقائه. فالرجل يؤمن أن أفقر شخص في أمريكا يتمتع بمستوى معيشي يفوق بعض أغنى الأفراد في بقية العالم. ولرصد هذه التباينات أجرت رويترز مقابلات مع أكثر من 20 مواطناً ومؤرخاً في مقاطعة باكس المتأرجحة.
وتعتبر مقاطعة باكس اليوم نموذجاً مصغراً للانقسامات الثقافية والحزبية التي تعصف بالولايات المتحدة برمتها. وفاز ترمب بهذه المنطقة في انتخابات 2024 بفارق ضئيل للغاية لم يتجاوز 300 صوت من أصل 400 ألف. وتشهد البلدات النهرية هناك نزاعات مستمرة حول حظر بعض الكتب واحتجاجات تخص مناهج التاريخ. وحولت الخلافات المحلية ذكرى يوم الاستقلال من رمز للهوية المشتركة إلى منصة لطرح الأسئلة حول ماهية الانتماء الوطني.
أبعاد التحليل السياسي لتوظيف المناسبات الوطنية في الأجندات الحزبية
بين هيبة الدولة والدعاية الانتخابية في ناشونال مول: “يكشف الصراع الدائر حول احتفالات (فريدام 250) عن عمق أزمة الثقة في المؤسسات الأمريكية المعاصرة. فحين تؤسس الرئاسة إطاراً موازياً للجنة الكونغرس الرسمية وتطلق معرضاً يمتد لأسبوعين بتجمعات تشبه المهرجانات الانتخابية، فإنها تخاطر بتحويل الرمزية التاريخية إلى أداة استقطاب. ولذلك، فإن مقاطعة ولايات ديمقراطية وفرق موسيقية للمعرض تعكس رفضاً شعبياً ومؤسسياً لخلط أوراق الوطن بشخص الرئيس”.
اقرأ أيضاً: فخ حراري في دالاس: رصيف الـ 50 درجة يهدد مشجعي كأس العالم

هيمنة الرئاسة على اللجان التنظيمية ومظاهر الاحتفال بـ واشنطن
وجعل ترمب نفسه محوراً أساسياً لكافة الفعاليات المخصصة لتأسيس الدولة عبر إطلاق مبادرة (فريدام 250) التجارية الحكومية المشتركة. وحل هذا الكيان الجديد مكان لجنة (أمريكا 250) المفوضة من الكونغرس والتي خططت للأنشطة لسنوات. ويعد (معرض ولايات أمريكا العظيم) الفعالية الأبرز في الساحة الوطنية بـ واشنطن. وتخطط دار سك العملة الرسمية لإصدار عملة ذهبية تذكارية تحمل ملامح صورة الرئيس.
وعبرت الأستاذة الجامعية تابيثا ديل أنجلو البالغة 56 عاماً عن خيبتها من المسار العام للدولة. فالشكل الحالي للمناسبة لا يعبر عن روح الأمة بل يبدو كأنه احتفاء شخصي بترمب. وفي المقابل يرى جيم وورثينغتون مالك النادي الصحي وأحد الداعمين البارزين للرئيس أن الصمود التاريخي لأمريكا يستحق الإشادة بغض النظر عن هوية الحاكم. فوورثينغتون يصف البقاء طوال القرون الماضية بأنه الإنجاز الأعظم في التاريخ البشري.
كيف يروي المؤرخون فترات الأزمات الكبرى في التاريخ الأمريكي؟
ويذكر المؤرخون أن هذه المناسبات التاريخية تزامنت في محطات سابقة مع ظروف واضطرابات داخلية عنيفة. ففي عام 1876 عاشت البلاد تداعيات الحرب الأهلية المدمرة وفي عام 1976 هزت فضيحة ووترغيت وحرب فيتنام الثقة الشعبية. وتوضح المؤرخة بيفرلي جيج أن فترات الأزمات الحادة غالباً ما تعقبها تحولات اجتماعية عميقة وصياغة جديدة للوعي الجمعي. وفي منتزه واشنطن كروسينغ التاريخي يتذكر الجميع العاصفة الثلجية التي عبرها جورج واشنطن عام 1776 لتغيير مسار الحرب.
وقالت جينيفر مارتن المديرة التنفيذية للمنظمة المشرفة على المتنزه إن إدارة الحديقة طورت بحوثها لتشمل أدوار النساء والجنود السود. فالهدف الأساسي يكمن في تقديم روايات تاريخية دقيقة دون السماح للمناخ السياسي الحالي بتشويه الحقائق. ويعتقد الشرطي المتقاعد جون جودزيبا الذي يجسد شخصية واشنطن في العروض التعبيرية أن الأمريكيين سيتوحدون في الرابع من يوليو تكريماً للمناسبة. فالغضب والسخط قد يعودان في الخامس من يوليو لكن يوم الاستقلال يظل قادراً على جمع شتات المواطنين ولو ليوم واحد.
