بقلم: زيد أبوعّرة

لكن ما لم يكن ظاهرًا آنذاك، هو أن الصوت ذاته قد يفقد معناه، حين لا يكون هناك من يصغي.

اليوم، بعد عقود، لم يعد السؤال كما هو. لم يعد متعلقًا بالفعل أو الامتناع عنه، بل بجدوى الفعل ذاته. فالمأساة لم تعد في الصمت، بل في الصراخ الذي يتحوّل إلى ضجيجٍ بلا أثر، إلى نداءٍ يتبدد في فراغٍ مكتظّ باللامبالاة.

في مشهدٍ يبدو للوهلة الأولى صادمًا، لكنه في حقيقته امتدادٌ طبيعي لواقعٍ مختنق، يتكدّس عشرات العمّال داخل شاحنة نفايات، أجسادٌ متلاصقة، أنفاسٌ تتنازع حيّزًا ضيقًا، ووجوهٌ تحمل مزيجًا من الإصرار واليأس. ليس هذا خيارًا عبثيًا، ولا مغامرة طائشة، بل تعبيرٌ مكثّف عن انسدادٍ شامل، حيث تتحوّل الحياة نفسها إلى ممرّ ضيّق لا يُعبر إلا بالمخاطرة.

هؤلاء العمّال لا يفتقرون إلى الوعي، ولا تنقصهم القدرة على التمييز بين الخطر والأمان. إنهم يعرفون تمامًا ما يفعلون. لكنهم، في لحظةٍ ما، يصلون إلى قناعةٍ مريرة: أن الخطر لم يعد استثناءً، بل صار القاعدة؛ وأن النجاة لم تعد مضمونة حتى في أكثر الطرق “أمانًا”. عندها، تصبح شاحنة النفايات خيارًا، لا لأنه الأفضل، بل لأنه المتاح.

هنا تحديدًا، تتكشّف المفارقة التي تفصل بين زمن الرواية وزمن الواقع. في “رجال في الشمس”، كان الصمت قرارًا فرديًا، تحكمه حسابات الخوف والفضيحة. أما اليوم، فالصمت لم يعد خيارًا، بل نتيجة. نتيجة لنظامٍ كامل يعيد إنتاج الإقصاء، ويُفرغ الصوت من أثره، حتى يصبح الكلام ذاته فعلًا بلا جدوى.

لقد طرق هؤلاء العمّال جدرانًا كثيرة، لا جدارًا واحدًا:
طرقوا أبواب العمل المغلقة،
وجدران الحواجز،
وسقوف البيوت التي تضيق بأهلها،
وحتى جدران العالم الذي يرى… لكنه لا يتدخّل.

لكن الطرق، في كل مرة، كان يعود إليهم صدىً خافتًا، أو لا يعود أصلًا.

بهذا المعنى، لم يعد “الخزان” حيّزًا ماديًا مغلقًا، بل صار بنيةً ممتدة، تتخذ أشكالًا متعددة: فقرٌ مزمن، بطالة، حصار، إذلال يومي، ومسارات حياةٍ مسدودة. لم يعد الخزان شيئًا يمكن الخروج منه، بل واقعًا يُعاش من الداخل، ويُعاد إنتاجه باستمرار.

وإذا كان أبو خيزران في رواية كنفاني شخصيةً محددة، تمارس دور الوسيط الانتهازي، فإن “أبو خيزران” اليوم لم يعد فردًا، بل منظومة. منظومة تدفع الناس إلى الحواف، ثم تتنصّل من مسؤولية سقوطهم. منظومة تجعل من المخاطرة شرطًا للحياة، ومن الإهانة تفصيلًا يوميًا عاديًا.

في هذا السياق، تتغيّر دلالة الموت أيضًا. لم يعد موتًا ناتجًا عن لحظة تردّد، أو قرارٍ خاطئ، بل امتدادًا منطقيًا لمسارٍ طويل من الإغلاق والتهميش. إنه موتٌ يتشكّل ببطء، في كل مرة يُغلق فيها باب، أو يُؤجَّل فيها أمل، أو يُتجاهل فيها صوت.

أما أولئك الأربعون رجلًا، فهم لا يمكن اختزالهم في رقم، ولا في مشهدٍ عابر. كل واحد منهم يحمل شبكةً كاملة من العلاقات والمعاني: طفلًا ينتظر، بيتًا يعتمد عليه، حياةً معلّقة بخيطٍ رفيع. لكن هذه الكثافة الإنسانية تُختزل، قسرًا، إلى “حمولة” داخل شاحنة، في مشهدٍ يكشف كيف يمكن للواقع أن يعيد تعريف الإنسان نفسه.

هنا، يصبح السؤال الذي طرحه كنفاني بحاجةٍ إلى إعادة صياغة، لا لأنه فقد أهميته، بل لأنه لم يعد كافيًا.

لم يعد السؤال:
“لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟”

بل:
ماذا يحدث حين يُطرَق الخزان مرارًا… ولا يجيب أحد؟

ذلك أن المأساة، في جوهرها، لم تعد في غياب الصوت، بل في غياب الاستجابة. في عالمٍ تتراكم فيه النداءات دون أن تتحوّل إلى أفعال، يصبح الطرق فعلًا مأساويًا بحد ذاته، لأنّه يكشف، في كل مرة، حدود ما يمكن للصوت أن يغيّره.

وعند هذه النقطة، لا تعود شاحنة النفايات تفصيلًا صادمًا بقدر ما تصبح استعارةً دقيقة: ليست رمزًا للعار، بل دليلًا على نظامٍ جعل من الكرامة رفاهية، ومن البقاء إنجازًا استثنائيًا.

إنها ليست حكاية رجالٍ داخل شاحنة.

بل حكاية عالمٍ كامل… لم يعد يسمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *