بقلم: داليا نوفل /إعلامية.

تواجه شعوب المنطقة اليوم معادلة قاسية تُفرض عليها كأمرٍ واقع: إمّا القبول بـ«الأمن» والعيش بشروطٍ سياسية واقتصادية تُحدَّد من الخارج، أو التمسّك بحقّ التحرّر والمقاومة مع ما يرافقه من حصارٍ وفقرٍ ودمار. ليست هذه معادلة نظرية، بل سياسة ممنهجة تُعاد صياغتها بأدوات مختلفة، والغاية واحدة: كسر إرادة الشعوب قبل كسر سلاحها.

في غزة، تتجسّد هذه المقايضة بوضوحٍ فجّ. يُطرَح مشروع إعادة الإعمار مقابل سحب سلاح حماس ومنع المقاومة كليًا، وكأن جوهر المأساة ليس احتلالًا مستمرًا وحصارًا خانقًا، بل “مشكلة أمنية” يجب حلّها لصالح إسرائيل. يُطلَب من شعبٍ أنهكه القصف والدمار أن يختار بين حقّه في الحياة وحقّه في التحرّر، بين بيتٍ يُعاد بناؤه وقرارٍ وطني يُصادَر. إعمار بلا سيادة، وحياة بلا أفق.

وفي إيران، يتكرّر المشهد بصيغةٍ أخرى. احتجاجات واسعة بسبب غلاء المعيشة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، يقابلها تصاعد خطابٍ سياسي وإعلامي يتحدّث عن إسقاط الجمهورية الإسلامية وعودة نظام بهلوي السابق بوصفه علمانيًا ديمقراطيًا يضمن الحريات. هنا أيضًا، تُختزل معاناة الناس الاقتصادية في مشروع تغييرٍ يخدم إعادة إدماج إيران في المنظومة الغربية، لا بالضرورة تحقيق إرادة شعبها. الحرية تُقدَّم كمنتجٍ جاهز، منزوعة من سياقها التاريخي والسيادي، ومشروطة بالانسجام مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

في الحالتين، لا يُمنَح الشعب حقّ الاختيار الحقيقي. الخيار معروض بين استقرارٍ هشّ تحت سقفٍ مرسوم دوليًا، أو مقاومة تُصوَّر كعبءٍ يجب التخلّص منه. أمن بلا عدالة، أو تحرّر بلا ضمانات. كلا الخيارين مُرّ، وكلاهما يُدار بعقلية واحدة ترى في الشعوب مشكلة يجب احتواؤها لا أصحاب حق يجب تمكينهم.

وهنا يبرز السؤال الأخطر:
هل يمكن لشعبٍ أن يعيش بكرامة إذا جُرِّد من حقّه في التحرّر؟ أم أن الأمن الذي يُفرَض مقابل التخلّي عن المقاومة ليس سوى شكلٍ آخر من أشكال الاحتلال؟
وإذا كانت الشعوب تُدفَع دائمًا للاختيار بين السيّئ والأسوأ، فمن الذي قرّر أن يكون هذا هو قدرها الوحيد؟

2 thoughts on “مقايضة التحرّر بالأمن.. من غزة إلى طهران”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *