بقلم : زيد أبو عَرّة
نبأ الإخبارية : منذ أن سمعت الخبر… اهتزّ كياني.
لم أعد قادرًا على جمع أفكاري أو التعامل معه كخبر عابر يُقرأ ثم يُنسى. بعض الأخبار لا تمرّ، بل تسكن داخلك وتتركك عاجزًا أمام سؤال واحد: كيف يمكن لأب أن يقتل ابنه… ثم يحرقه في منطقة خالية وكأنّه يحاول محو وجوده من الحياة؟
طفل في الحادية عشرة من عمره…
لم يكن يحمل سوى قلب صغير، وأحلام بسيطة، وخوفٍ أكبر من عمره بكثير.
هذا الطفل لم يُقتل فجأة.
كان يعيش داخل دائرة خوف طويلة. والدٌ اعتدى على أطفاله مرارًا، وأحرق المنزل مرتين، وترك خلفه إشارات خطر واضحة للجميع. كانت الكارثة تُعلن نفسها بصوت مرتفع، لكن أحدًا لم يوقفها قبل اللحظة الأخيرة.
كم ليلة نام ذلك الطفل وهو يخشى أن يستيقظ على صراخ؟
كم مرة اختبأ خلف جدار أو في حضن أمه منتظرًا أن يهدأ الغضب؟
كم مرة تمنى أن يكون خارج هذا البيت… بعيدًا عن الخوف؟
الأطفال لا يفهمون معنى العنف الأسري، لكنهم يشعرون به جيدًا.
يشعرون به في ارتجاف أيديهم، في صمتهم المفاجئ، في نظراتهم التي تبحث عن النجاة.
ربما في اللحظات الأخيرة، لم يفهم الطفل لماذا أخذه والده إلى منطقة خالية.
ربما ظنّ أنها نزهة قصيرة، أو مشوار عادي.
الأطفال يثقون بآبائهم حتى اللحظة الأخيرة… حتى عندما يخافون منهم.
تخيلوا تلك اللحظة.
طفل يدرك فجأة أن الخطر حقيقي.
عينان صغيرتان تمتلئان بالرجاء.
صوت مرتجف يقول:
“بابا… لا.”
الأطفال حين يواجهون الموت لا يقاومون… بل يتوسّلون للحياة.
يحاولون إيقاظ الرحمة في قلب من أمامهم.
لكن الرحمة لم تأتِ.
انطفأت روح صغيرة في مكان خالٍ، بعيدًا عن الناس، بعيدًا عن أي يدٍ يمكن أن تنقذه. ثم أُحرِق الجسد، وكأن الجريمة لم تكتفِ بالقتل، بل حاولت إخفاء الذاكرة نفسها.
لم يُقتل طفل فقط… بل قُتلت فكرة الأمان داخل البيت.
هذه الجريمة ليست لحظة جنون منفصلة، بل نتيجة غياب منظومة أمنية حازمة تتدخل قبل الكارثة. حين يُعرف العنف ولا يُردع، وحين تُحل الجرائم داخل دوائر العشيرة والقبيلة بدل القانون، يصبح الأطفال الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن.
كم إنذارًا كان يجب أن يُسمع؟
منزل أُحرق مرتين.
أطفال تعرضوا للاعتداء.
خوف معلن للجميع.
كل ذلك كان يقول إن النهاية قادمة.
لكن الردع غاب… فحضر الموت.
المجتمعات لا تُقاس بقوة خطابها، بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها. والطفل هو الاختبار الحقيقي لأي منظومة عدالة. عندما يصبح البيت أخطر من الشارع، وعندما يتحول الأب من مصدر حماية إلى مصدر تهديد، فهذه ليست مأساة عائلة واحدة… بل جرح مجتمع كامل.
منذ أن سمعت الخبر، وأنا أفكر في اللحظة الأخيرة لذلك الطفل:
هل انتظر أن ينقذه أحد؟
هل ظلّ يعتقد أن والده سيتراجع؟
هل بقي متمسكًا بالحياة حتى آخر نفس؟
الأطفال لا يخافون الموت بقدر ما يخافون الألم والوحدة.
وربما كان أكثر ما قتل هذا الطفل… شعوره أنه تُرك وحده.
اليوم، لم يعد بالإمكان إنقاذه.
لكن يمكن إنقاذ أطفال آخرين إن فهمنا أن الصمت ليس حيادًا، وأن التساهل مع العنف الأسري ليس رحمة، بل تأجيل لجريمة قادمة.
رحل الطفل، تاركًا سؤالًا موجعًا في ضميرنا جميعًا:
كم طفلًا يجب أن نحرق قبل أن نؤمن أن الحماية مسؤولية قانون… لا خيار مجتمع؟
