أول استخدام معروف للألغام البحرية يعود إلى عام 1777 أثناء الثورة الأمريكية (غيتي)أول استخدام معروف للألغام البحرية يعود إلى عام 1777 أثناء الثورة الأمريكية (غيتي)

نبأ الإخبارية: تُعرف الألغام البحرية بأنها أجهزة متفجرة ذاتية الاحتواء. حيث تزرع أو تثبت في المياه، سواء في قاع البحر أو بالقرب من سطحه، أو بينهما. ويتم نشرها بهدف تدمير السفن السطحية والغواصات أو إلحاق أضرار بالغة بها. إذ تُفعَّل هذه الأجهزة عند ملامسة الهدف أو اقترابه، أو عبر مؤثرات فيزيائية مثل المجال المغناطيسي أو الضغط أو الصوت.

وبناءً عليه، تصنف هذه المتفجرات كواحدة من أكثر الأسلحة البحرية فاعلية عبر التاريخ. ويعود هذا لتميزها بانخفاض تكلفة تصنيعها ونشرها مقارنة بالسفن الحربية الكبرى. فضلاً عن قدرتها العالية على إعاقة الملاحة، وفرض الحصار البحري، وتهديد خطوط التجارة والممرات المائية الاستراتيجية.

وفي المقابل، تمثل إزالة هذه الألغام تحدياً عملياتياً معقداً للغاية. حيث تتطلب عمليات كشفها وتحييدها معدات متخصصة وتقنيات متقدمة. أما من حيث الوقت، فإنها تستغرق وقتاً طويلاً قد يمتد من أسابيع إلى أشهر. وبما يسمح للألغام بالاحتفاظ بتأثيرها العسكري والاقتصادي حتى بعد انتهاء العمليات القتالية المباشرة.

الألغام البحرية تحتفظ بتأثيرها العسكري والاقتصادي حتى بعد انتهاء العمليات القتالية المباشرة (الأوروبية)
الألغام البحرية تحتفظ بتأثيرها العسكري والاقتصادي حتى بعد انتهاء العمليات القتالية المباشرة (الأوروبية)

بدأ استخدام هذه الأسلحة في النزاعات المسلحة منذ أواخر القرن الثامن عشر. ثم تطورت عبر العقود من وسائل بدائية تعتمد على البارود إلى أسلحة متقدمة. وحيث لعبت دوراً مؤثراً في حماية الممرات المائية أو تعطيلها، فقد مرت بالمحطات التالية:

  • الثورة الأمريكية (1777): يعود أول استخدام معروف لها إلى الطالب ديفيد بوشنيل من جامعة ييل. إذ صمم جهازاً يعتمد على تفجير البارود تحت الماء بتفويض من الجنرال جورج واشنطن لاستهداف الأسطول البريطاني في نهر ديلاوير. ورغم عدم نجاح العملية في إغراق السفن، إلا أنها شكلت الفكرة الأولى للمتفجرات المائية.
  • الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865): شهدت هذه الحقبة أول استخدام واسع وفعال. حيث اعتمدت عليها القوات الكونفدرالية لإعاقة سفن الاتحاد وأغرقت عدداً منها. الأمر الذي رسخ مكانتها كأحد أسلحة الحرب البحرية الأساسية.
  • الحرب العالمية الأولى والثانية: استخدمت في الأولى لتقييد حركة الغواصات الألمانية في بحر الشمال. بينما بلغت ذروة استخدامها في الحرب الثانية، عندما زرعت أمريكا أكثر من 12 ألف لغم في موانئ اليابان لتعطيل ملاحتها التجارية. مما أسفر عن غرق مئات السفن وإضعاف الاقتصاد الياباني.
  • حرب الناقلات (الثمانينيات): برزت الألغام مجدداً عندما زرع العراق وإيران ألغاماً أصابت سفناً دولية. وتسبب ذلك في تعطيل الملاحة لأسابيع طويلة.
  • صدمة عام 2026: برزت الألغام كأبرز عناصر استراتيجية إيران البحرية، بالتزامن مع الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل ضدها في فبراير من العام ذاته. فقد تمكنت طهران من تعطيل مرور نحو خُمس تجارة النفط العالمية. بما يشمل قرابة نصف واردات الصين النفطية. وهذا ما أدى إلى تعطل آلاف السفن في الخليج العربي، وأحدث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية.
الألغام البحرية بدأ استخدامها في النزاعات المسلحة منذ أواخر القرن الثامن عشر (القوات البحرية الرومانية)
الألغام البحرية بدأ استخدامها في النزاعات المسلحة منذ أواخر القرن الثامن عشر (القوات البحرية الرومانية)

تصنف الألغام البحرية وفق 3 معايير رئيسية هي: الموقع في الماء، آلية التفجير، ووسيلة النشر. وبحيث يحدد كل تصنيف طبيعة استخدامها والمهام العسكرية التي تؤديها كالتالي:

أولاً: وفق الموقع في الماء

  • اللغم العائم أو المنجرف: حيث يتحرك بحرية مع التيارات والأمواج دون تقييد.
  • اللغم المثبت أو المربوط: إذ يطفو تحت سطح الماء ويُثبت في مكانه بواسطة كابل متصل بثقل يستقر في القاع.
  • اللغم القاعي: حيث يستقر مباشرة في قاع البحر. ويستخدم في المياه الضحلة ضد السفن أو في الأعماق لاستهداف الغواصات.

ثانياً: وفق آلية التفعيل

  • ألغام التماس: وهي أقدم الأنواع وأبسطها، بحيث تنفجر بمجرد اصطدام السفينة بها مباشرة.
  • ألغام التأثير: إذ لا تتطلب ملامسة مباشرة، وإنما تعتمد على مستشعرات تكشف البصمة المغناطيسية أو الصوتية أو تغيرات ضغط المياه. كما تجمع بعض النماذج الحديثة بين أكثر من مستشعر لزيادة الدقة.
  • الألغام المحكومة: حيث تُفجَّر يدوياً بواسطة مشغل من محطة ساحلية، وتستخدم غالباً لحماية الموانئ.

ثالثاً: من حيث وسيلة النشر

يمكن زرعها بواسطة سفن السطح، أو الغواصات عبر أنابيب الطوربيد، أو الطائرات التي تلقيها جواً بمظلات. وتضم الترسانات الحديثة نماذج متطورة؛ من أبرزها عائلة “كويك سترايك” (Quickstrike) الأمريكية للمياه الضحلة. بالإضافة إلى اللغم المحمول المنطلق من الغواصات “إس إل إم إم مارك 67” (SLMM Mark 67) المصمم للمناطق الصعبة.

الألغام البحرية الحديثة تعتمد على أنظمة استشعار متطورة إذ لا يشترط انفجارها حدوث تماس مباشر مع الهدف (غيتي)
الألغام البحرية الحديثة تعتمد على أنظمة استشعار متطورة إذ لا يشترط انفجارها حدوث تماس مباشر مع الهدف (غيتي)

تكمن القوة التدميرية لهذه الأسلحة في قدرتها على تحقيق تأثيرات استراتيجية واسعة بتكلفة منخفضة. فهي تجمع بين سهولة النشر وصعوبة الاكتشاف مع إطالة أمد التأثير في ساحة العمليات. وتتمثل أبرز قدراتها في منع الوصول وحرمان الخصم من استخدام المناطق البحرية، وذلك لحماية السواحل والموانئ وإعاقة عمليات الإنزال.

ومع تطور التكنولوجيا، أصبحت الأنظمة الحديثة تعتمد على مستشعرات متطورة للغاية. بحيث يمكن برمجة بعض النماذج لاستهداف سفن محددة ذات قيمة عسكرية أو اقتصادية عالية، مع تجاهل القوارب الصغيرة تماماً. ولما كان زرعها ممكناً بواسطة الطائرات أو الغواصات، أو حتى عبر زوارق صغيرة وسفن تجارية معدلة، فقد أصبحت خياراً متاحاً وفعالاً في العمليات الدفاعية والهجومية على حد سواء.

اقرأ أيضاً:

وفي ختام المشهد، تثبت التجارب الدولية أن خطر الألغام لا ينتهي بانتهاء المعارك. بل يبقى كقنابل موقوتة تهدد الاقتصاد العالمي لسنوات. ولهذا السبب، تظل تكنولوجيا كشف الألغام وتطهير البحار تسابق الزمن لحماية شريان التجارة الدولية من الشلل المفاجئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *